المهلب بن أبي صفرة -وكان من رجاله في ذلك الوقت- يستشيره, قال له: أعلم أن أهل العراق قد كاتبوا عبد الملك وكاتبهم, فلا تبعدني عنك. فقال مصعب: إن أهل البصرة قد أبوا أن يسيروا حتى أجعلك على قتال الخوارج, وهم قد بلغوا سوق الأهواز, وأنا أكره إذا سار عبد الملك إليّ ألا أسير إليه, فاكفني هذا الثغر [1] . في الوقت الذي كان عبد الملك يكاتب فيه زعماء أهل العراق من قواد مصعب والذين قبلوا التخلي عنه والانضمام إليه [2] ؛ كان حريصًا على ألا يقاتل مصعبًا, للمودة والصداقة القديمة التي كانت بينهما, فأرسل إليه رجلًا من كلب, وقال له: أقرئ ابن أختك السلام - وكانت أم مصعب كلبية- وقل له يدع دعاءه إلى أخيه, وأدع دعائي إلى نفسي, ويجعل الأمر شورى, فقال له مصعب: قل له: السيف بيننا [3] .
ثم حاول عبد الملك محاولة أخرى؛ فأرسل إليه أخاه محمدًا ليقول له: إن ابن عمك يعطيك الأمان, فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا [4] . ثم دارت المعركة فبدأت خيانات أهل العراق تظهر, فقد أمد مصعب إبراهيم بن الأشتر بعتَّاب بن ورقاء, وهو من الذين كانوا كاتبوا عبد الملك, فاستاء إبراهيم من ذلك وقال: قد قلت له لا تمدني بعتاب وضربائه, إنا لله وإنا إليه راجعون, فانهزم عتاب بالناس. فلما انهزم صبر ابن الأشتر فقتل [5] , فكان مقتله خسارة كبرى لمصعب, لأنه -فوق شجاعته- كان مخلصًا له غاية الإخلاص, ولذلك لما اشتد القتال على مصعب وتحرج موقفه صاح قائلًا:
(1) البداية والنهاية (3/ 51) .
(2) تاريخ الطبري (7/ 44) .
(3) الكامل في التاريخ (3/ 52) .
(4) تاريخ الطبري (7/ 45) .
(5) الكامل في التاريخ (3/ 53) .