فهرس الكتاب
والحقيقة التي أكدتها هذه الدراسة هي أن أمير المؤمنين عمر لم يخالف نصا وهيهات أن يفعل، واجتهاده لم يكن في معارضة النص إنما في فهمه وتطبيقه على صورته الصحيحة، وبقدر ما أحسن عمر التعامل مع النص فهما وتطبيقا، أحسن كذلك فهم الواقع محل التطبيق، والمقصود بفهم الواقع:"ما تجري عليه حياة الناس في مجالاتها المختلفة، من أنماط في المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجد فيها من نوازل وأحداث"
والأمثلة على هذا عند عمر كثيرة كتطبيقه لسهم المؤلفة قلوبهم، وحد الزنا، وحد السرقة، ومنعه لنكاح الكتابيات.
(4) الأخذ بالمصلحة
كانت المصلحة أساسًا في اجتهادات عمر فيما لا يخالف نصًا، فإذا كان في الواقعة نص خاص التزم به عمر، على نحو يحقق المصلحة، وقد تميز عمل عمر -رضي الله عنه- بالمصلحة أنه ضبطها بضوابطها التي لا تصطدم فيها مع النصوص أو الأقيسة الصحيحة، كما أعمل بوضوح فقه الموازنات بين المصالح، واختيار الأكثر نفعا، وإذا كان لابد لتحقيق المصلحة من حدوث مفسدة فكان يرتكب المفسدة الأخف ليدفع بها المفسدة الأعظم، وقد أوردت الأمثلة على هذا في باب مستقل.
(5) العمل بسد الذرائع
كان -رضي الله عنه- خير من يعمل بسد الذرائع وكذا بفتحها، وخير من ينظر إلى المآلات وما ينتج عنها، فأسس بذلك لفقه رشيد في التطبيق المتوازن لسد الذرائع، والنظر إلى المآلات، فلا هو يهملها غاضا النظر عما يترتب عليها في المستقبل، ولا هو يطلق لها العنان في التطبيق مُضيِّقا بذلك الواسع على المسلمين، وقد وُجد في عصرنا المدرستان: التي تسد الذرائع بإطلاق، والتي تفتحها كذلك بإطلاق، ونظرة سريعة إلى مسألة معاصرة كالتبرع بالأعضاء مثلا، مع قراءة الأمثلة المذكورة عن عمر في باب سد الذرائع توضح المقصود وتحقق المراد.
(6) ريادة الاجتهاد المقاصدي