الصفحة 237 من 287

ثانيًا: المؤاخاة

بدأ تنظيم المؤاخاة في السنة الأولى من الهجرة، بعد خمسة اشهر أو ثمانية من قدوم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة (1) . على أن المتفق عليه أن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، كانت قبل معركة بدر (2) ، حيث دعا الرسول صلى الله عليه وسلم، أصحابه من المهاجرين والأنصار إلى اجتماع في مسجد المدينة، حدد فيه أسماء نخبة من المسلمين (3) ، قبيل إنهم تسعون، وقيل بل مئة (4) . وهناك روايات أخرى تذكر أن جملتهم ثلاثمائة (5) . وذكر أنهم كتبوا في أمر المؤاخاة كتابًا، في دار أنس (6) . وبين الرسول لهم، أثناء ذلك الاجتماع، أنه اصطفاهم وأحب أن يؤاخي بينهم (7) . وكانت صفة صحة عقد المؤاخاة، تتم بأخذ أحد الأخوين، الذين عينهما الرسول صلى الله عليه وسلم، بيد الآخر مرددين أنهما أخوان في الله (8) . وترتب على تلك الأخوة الإسلامية حقوق ميزتها عن اخوة ذوي الأرحام، وسمت بها كثيرًا. فالأخ في الله هو المقدم على ذوي الأرحام في الميراث (9) ، إذ كانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتدائه، إرثًا مقدمًا على القرابة (10) . والواقع أن ذلك البند الخاص بالميراث، كان يتعارض _شكلًا - مع الأعراف والتقاليد السائدة، حينذاك. ولذلك لم يدم كثيرًاإذ أعقبه نزول آية المواريث ناسخة له بقوله تعالى:"والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ... الآية" (11) .…

(1) مجهول: في سيرة الرسول، ورقة 11. وقد سبق تلك المؤاخاة، التي عقدت بين المهاجرين والأنصار، مؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم. (انظر: ابن سعد: الطبقات، جـ1، ص238، وابن سيد الناس: عيون الأثر، جـ1، ص199، مجهول: المصدر السابق، ورقة 12) . وكانت هذه المؤاخاة بين المهاجرين على نطاق محدود ولم تفرض على الجميع. (انظر ابن إسحاق: السيرة، جـ2، ص351، ابن سعد: المصدر السابق، جـ3، في أماكن متفرقة) . ويعتقد أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يؤاخ بين المهاجرين بعضهم لبعض، إلا بعد قدومه المدينة. (انظر: ابن سعد: نفس المصدر، جـ1، ص238) . والذي نميل إلى ترجيحه، هو أن المؤاخاة، بين المهاجرين، ربما أنها حصلت قبل الهجرة - بشكل نظري - ولم يعرف أمرها إلا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، المدينة. (2) ابن سعد: نفس المكان، ابن حبيب: المحبر، ص71 - 72. (3) الحلبي: السيرة الحلبية، جـ2، ص96 97. (4) ابن سعد: المصدر السابق، جـ1، ص238، مجهول: المصدر السابق، ورقة 11. (5) العمري: بهجة المحافل، جـ1، ص169. (6) مجهول: المصدر السابق، ورقة 11. (7) الحلبي: المصدر السابق، جـ2، ص96 - 97. (8) ابن إسحاق: السيرة، جـ3، ص351، ابن كثير: البداية والنهاية، جـ3، ص226. ويذكر ابن إسحاق هذه الصفة بقوله: وآخى رسول الله بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال، فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل: تآخوا في الله أخوين أخوين. ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخي". (انظر: المصدر السابق، جـ2، ص351) . (9) ابن سعد: الطبقات، جـ1، ص238، ابن حبيب: الحبر، ص71. (10) المقريزي: إمتاع الأسماع، جـ1، ص50. (11) الأنفال: 75."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت