فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 666

وقال صلى الله عليه وسلم: (سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم مالم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم) (1) .

فامتثل الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم هذه التوجيهات النبوية، فلم يألوا جهدًا في تبليغ الأمانة التي تحملوها إلى من بعدهم، وفي الوقت نفسه احتاطوا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلوه الا ممن يثقون به، فهذا ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (( إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا ً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته ابصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس الا ما نعرف ) ) (2) .

وقال التابعي الجليل محمدب ن سيرين رحمه الله: (( لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ) ) (3) .

وقال عروة بن الزبير: (( إني لأسمع الحديث أستحسنه، فما يمنعني من ذكره الا كراهية ان يسمعه سامع يقتدي به، وذاك اني أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدث به عمن أثق به، أو أسمعه من رجل أثق به عمن لا أثق به، فأدعه لا أحدث به ) ) (4) .

وكلامهم هذا رحمهم الله فيه الاحتياط في قبول الحديث، وقل كلام كبار التابعين في التحذير من الرواية عن غير الموثوق بهم، لقلة الضعفاء في زمانهم.

قال الذهبي: (( سبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان قلة متبوعيهم من الضعفاء إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وأكثرهم من غير الصحابة بل عامتهم ثقات صادقون، يعون ما يروون، وهم كبار التابعين، فيوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال ... ثم كان في المائة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء ممن تكلم فيهم من جهة

(1) رواه مسلم أيضًا في مقدمة صحيحه: (12/ 1) من حديث أبي هريرة.

(2) رواه مسلم في مقدمة صحيحه (13/ 1) وقوله: ركب الناس الصعب والذلول يعني: سلكوا كل مسلك مما يحمد ويذم. قال النووي في شرح صحيح مسلم (80/ 1) .

(3) رواه مسلم في المقدمة أيضًا (15/ 1) وقوله: (( فلما وقعت الفتنة ) )يعني الفتنة التي وقعت زمن عثمان وأدت إلى قتله رضي الله عنه. انظر (( بحوث في تاريخ السنة ) )للدكتور اكرم العمري، ص: 48.

(4) رواه ابن عدي في الكامل: (66/ 1) ، والخطيب البغدادي في الكفاية (ص210) - واللفظ له وإسناده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت