الصفحة 131 من 337

وأغنى الاغنياء؟!

ثم من لم يعلل يقول: فعفه لا يعلل، ومن يعلل يقول: له في ذلك

حكمة خلق ذلك لاجلها، ومن فعل شيئا لمراد له يحبه لم يكن متضررا

بحصول محبوبه ومراده.

وهؤلاء يقولون: وان كان مبغضا للمعصية، كارها لها، ماقتا لها،

فهذا لا ينافي كونه حلقها و رادها لحكمة في ذلك، وهو يحب الغاية التي

خلقها لاجلها، كالمريض الذي يريد شرب الدواء وهو يبغضه، فهو

يريده لمحبته العافية الحاصلة به، فهو وإن كان مرادا له لحكمة يحبها

فهو مبغض له في نفسه، فهكذا ما خلقه من الشياطين والمعاصي خلقها

لحكمة، وهو يبغض تلك المخلوقات المرادة.

وعلى قول هؤلاء فلا تكون المعاصي إساءة إليه إذ كان هو الخالق

لها لحكمته، بل لو كان المحدث لها غيره لم يكن مسيئا إليه اذا كان

قصده تلك الغاية المحبوبة له، فمن فعل مع غيره ما يوجب حصول

محبوبه لم يكن مسيئا له، وان كان في ذلك بعض ما يكره، فكيف إذا

كان هو الفاعل؟!

و ما مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم وان قالوا: إن العبد

أحدب المعصية بدون مشيئة الله وقدرته لا يقولون: إنها إساءة إلى الله،

ولا أنها تضر الله، بل المعتزلة متفقون على أن علل أفعاله و حكامه عائدة

إلى المخلوق لا اليه، وهم غلاة في النفي، فلا يصفونه بفرع أو غضب

يقوم به، ولا حب ولا رضى ولا سخط، بل ولا بإرادة تقوم به، وانما

ذلك كله عندهم مخلوقات منفصلة عنه، ومثل هذا لا يسمى إساءة إليه

بلا ريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت