وطائفة من أولئك -أهل الفكر والنظر - قد لا يمدحون العمل
والعبادة والزهد، بل ربما انتقصوا من يفعل ذلك، وكثير منهم يقرن
[ق 11] بذلك الفسوق واتباع الاهواء، فلا يتورع لا عن الفواحش ولا عن
المظالم، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، و
العابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون (1) .
وكل من هاتين (2) الطائفتين مخطىء من جهتين؛ من جهة اجتزائه
باحد الواجبين عن الاخر، ومن جهة خروجه في ذلك عن متابعة الكتاب
والسنة. فإن الله بعث محمدا بالحق، وهدى به الناس من الظلمات الى
النور، فأمر المومنين بما يحصل لهم الفلاح من العلم النافع والعمل
الصالح، فكل من هذين واجب، وهذا معنى قول السلف: الايمان قول
وعمل (3) . فلا بد من عليم ولا بد من عمل، وكلاهما واجب في الجملة،
فمن ظن أنه بالعلم ينال المظلوب بدون العمل الواجب فقد غلط. ومن
ظن أنه بالعمل ينال المطلوب بدون العلم الواجب فقد غلط. وكل منهما
لا بد أن يزن عمله وعلمه بالكتاب والسنة.
فمن سلك طريقة العلم فقط، و عرض عن اتباع السنة في علمه ولم
يزنه بالكتاب والسنة، وأعرض عن العمل الواجب، مثل أهل البدع
(1) أخرجه ابن المبارك في"الزهد - زيادات نعيم بن حماد"رقم (75) قال سمعت
سفيان. .، و حمد في"العلل": (118/ 3) عن ابي احمد الزبيري عن سفيان
الثوري.
(2) الاصل: (هذين) .
(3) انظر"السنة": (1/ 310 - 317) لعبدالله بن حمد، و"السنة:(3/ 580. 571،"
566)للخلال، و"اصول اعتقاد أهل السنة": (57/ 1 - 151 وما بعدها) ،
و"الشريعة": (638/ 2 - 639) .