الفصل الثاني:
الموجب الرئيس للسؤال عن الإسناد، والأسبقية فيه
المبحث الأول: الموجب الرئيس للسؤال عن الإسناد
إن فقدان الثقة بالناقل، أو ضعفَها أو احتمالَ الضعف، هو الموجب للسؤال عن الإسناد، ولم تفقد الثقة بجماعة من النقلة إلا بعد أن تمكن أهل الأهواء، وصارت لهم دولة يحتمون بها، قال الإمام محمد بن سيرين: (( لم يكونوا يسألون عن الإسناد [1] ، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذُ حديثهم، ويُنظرُ إلى أهل البدع فلا يؤخذُ حديثهم ) ) [2] .
(1) قال أبو العباس القُرْطُبي في المُفْهِم 1/ 122: (( يعني بذلك: من أدرك من الصحابة وكبراء التابعين، أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم، إذ الكل عدول على مذهب أهل الحق ... وكذلك كل من خالف في قبول مراسيل غير الصحابة وافق على قبول مراسيل الصحابة. وأما كبراء التابعين ومتقدموهم فالظاهر من حالهم أنهم يُحدّثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتُقبل مراسيلهم، ولا ينبغي أن يُختلفَ فيها، لأن المسكوت عنه صحابي، وهم عدول، وهؤلاء التابعون هم: كعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم ممن هو في طبقتهم. وأما من تأخر عنهم ممن حدّث عن متأخري الصحابة وعن التابعين، فذلك محلّ الخلاف ) ).
(2) أخرجه الدارمي في المسند الجامع، كتاب العلم، باب الحديث عن الثقات 3/ 171 (439) - مع شرحه فتح المنان -، والجُوزجاني في أحوال الرجال 18 - 19، ومسلم في مقدمة صحيحه، باب بيان أن الإسناد من الدين ... 1/ 15، والترمذي في العلل (الصغير) 6/ 231، والرامهرمزي في المحدث الفاصل 208 - 209، وغيرهم. واللفظ لمسلم. وبداية هذا القول عند الترمذي بلفظ: (( كان في الزمن الأَوَّل لا يَسْألون عن الإسناد، فلما ... ) ).