الصفحة 12 من 5609

وقد كان من بيان رسول الله إشاراتُه، وملامح وجهه، ولحن صوته .. فَرُبّ سنةٍ يأمر بها أصحابَه لا يريد بها وجوبا، ورب أمر يجزم به لا يفهم الشاهد منه غير الحتم .. وكل هذا إنما يدل على معناه ما اقترن بالخطاب من لحن الصوت وملامح الوجه .. لا يمكن أن يُنقل لمن لم يشهده إلا من جهة الرواية بالمعنى.

قال جابر في حجة الوداع: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نحلَّ وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء. قال جابر: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم. [خ 6933] فأمرهم بصوت يفهم سامعه أنه أحلهن لهم، وليس بحتم. فنُقل لفظ الأمر"أحلوا""أصيبوا"ولم ينقل ما اقترن به من حال الخطاب لتعذر النقل، ولكن ذَكر لنا جابرٌ أنه كذلك فَهِم، وأن ذلك قصد نبي الله.

ورسول الله خير الناس بيانا، وأحسن العرب إفصاحا عن معانيه وإفهاما لسامعيه. وهذا الدين محفوظ، وإنما حفظ الله دينه بفهم العلماء من أصحاب نبيه، والحمد لله.

وقد كان رسول الله عبدا لله، عاملا بما أمر، تاركا لمن نهي عنه، وكان تَركُه ما ينبغي أن يُترك من سنته وصميم أمره، وكان تركه بيانا للنهي وامتثالا له، كما أن فعله عملٌ بالأمر وبيان له، وكان تركه كعمله أكثر من نهيه، لأنه أعطي جوامع الكلم، وصانه الله عن اللغو.

وقد نقل أصحابه جملة نهيه وتركه، وكان نقلهم بالعمل أكثر من الرواية، اتباعا لهدي نبي الله، وإنما نقلوا بالرواية طائفة من تركه نزرا يسيرا لمناسبات أدركوها، كما قال جابر وابن عباس لما أحدثت بنو أمية الأذان للعيد قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى اهـ رواه البخاري ومسلم. وكانوا قبل ذلك يكتفون بالعمل، ولا يخبرون بالترك، كما كان رسول الله يعمل فيهم يوم العيد بسنته، ولا يقول لهم: من سنة اليوم ترك الأذان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت