وما لم يذكروه من ترك رسول الله في غير ذلك أكثر وأكثر، كله قد اتبعوا فيه رسول الله فتركوا ما كان يترك، وذلك من نقلهم الدين بالعمل.
وكذلك كثير من الحديث عن رسول الله لم يكونوا يتكلفون رفعه قبل أن يحتاجوا إلى التحديث به اكتفاء بالعمل بسنته، ولم يخبروا بما يعلمون من أمره إلا لمَاَّ حَدَثَ في الناس خلافُه، كما حَدَّثت عائشة بأن الأمر في الحائض قضاء الصوم دون الصلاة لما سألتها معاذة العدوية عما أحدثت الخوارج من أمر الحُيَّض بقضاء الصلاة، قالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة! فقالت: أحرورية أنت؟ قالت: لست بحرورية ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اهـ رواه البخاري ومسلم. وقد كانت أم المؤمنين قبل ذلك هي وغيرها يعملون بالسنة التي كانوا عليها مع رسول الله، ويأخذها مَن معهم عنهم، لا يتكلفون الرواية فيها زمانَ الخلافة الراشدة، حتى أحدثت الخوارج بدعتهم، لِما أحدثوا من ترك الأخذ بعمل الصحابة.
ومنه حديثهم عن رسول الله أنه كان يكبر في صلاته مع كل خفض ورفع، وأنه كان يتم التكبير ولا ينقصه، وإنما قالوا ذلك لما أحدثت بنو أمية نقص التكبير عند السجود.
فلولا ما أُحدث من خلاف العمل الموروث لما تكلفوا رفع الحديث إلى رسول الله، اتباعا لسنته.
فمن لم يعرف سيرتهم، وقنع بما أورث من الروايات المرفوعة وما يفهم المتأخرون منها، وتجاهل آثار الصحابة، أغفل كثيرا من السنن الأصيلة، وأحدث في الدين ما لم يكونوا يعرفون من أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم. فكثير من السنن هي محفوظة في الموقوفات فتاوى الصحابة وأفعالهم.