الصفحة 15 من 5609

وقد كان من أفعال رسول الله ما هو تشريع مقصود، بَيَّنه للمسلمين ليعملوا به، وهو السنة. ومنه ما يحتمل - عند من يبلغه حديثه - أن يكون أراد به معنى دون ذلك .. ثم إذا عمل عملا مثله بعده كان فيه دلالة على مراده ورافعا للاحتمال عند من يبلغه الخبر. وهذا كالرَّمَل في عمرة القضاء، فعله النبي وأصحابه ليرى المشركون جَلَدهم، فاحتمل أن يكون من السنة أي من أعمال العمرة، ثم من مصالحه أنه يحقق ذلك القصد أي إرهاب العدو. واحتمل أن يكون لمكان المشركين خاصة. فلما حج رسول الله وفعل ذلك والمسلمون معه في قدومهم مكة، وليس بها مشرك، علمنا أنه صار سنة.

لكن من ذلك ما لا يُقدَر على معناه إلا بتتبع عمل أصحابه بعده. فقد حكى جابر في حَجة نبي الله أنه لما أتى مقام إبراهيم قرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) ولما دنا من الصفا قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) وقال: أبدأ بما بدأ الله به، وأمورا نحوها كانت في حَجته. فاحتمل هذا العمل أن يكون من مناسك الحج والعمرة، أي أنه جعل ذلك ذِكرا من أذكار الطواف والسعي التي أَمر المسلمين أن يأخذوها في ما يأخذون من مناسكهم. واحتمل أن يكون من البيان النبوي أنه علمهم أن الآية هذا تأويلها. ولم يحج رسول الله بعدها حتى لحق بربه.

فلما نظرنا في عمل أصحابه بعده، وألفيناهم لا يفعلون ذلك، ولا يفتون به، علمنا وجه ما رووا عن رسول الله. وإنما كانوا يأخذون بسنته التي شرعها للاقتداء.

وفي هذا كله بيان لمنزلة آثارهم، وأن معرفتها من معرفة السنة، وبيانٌ لخطأ من اكتفى بالنظر في الحديث المرفوع إلى رسول الله وأهمل العمل المُبَيِّنَه زمان الخلافة الراشدة.

نَعَمْ، السُّنة سنةُ رسول الله، ولكن الشأن في معرفة مَظنتها، أن نلتمسها في الرواية عنه مع العمل الموروث، عملِ أهل العلم من أصحابه رحمة الله عليهم أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت