المغيرات خلق الله. فقال عبد الله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف، فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه: قال الله عز وجل: {وَمَاءَاتَكُمُ الرَّسُوُل فَخُذُوه وَمَا نَهَاكم عَنه فانتَهُوا} ... الحديث [1] .
ولست أريد الاستطراد في ذكر الأدلة على وجوب الأخذ بالسنة، فقد كفانا مؤنة ذلك فحول العلماء، كالشافعي -رحمه الله- في كتابه الرسالة [2] وغيره.
ويكفي في ذلك إجماع أهل السنة من السلف، فمن بعدهم، إلى عصرنا هذا، علي وجوب الأخذ بالسنة كمصدر ثان للتشريع الإِسلامي، وأنها هي المبينة للقرآن كما قال تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [3] .
ونظرًا لاستقرار هذا المفهوم لدى سلف الأمة، فقد صرفوا جُلّ اهتمامهم للعناية بالسنة، حفظًا وتدوينًا، ونشرًا لها، انطلاقًا من قوله -صلى الله عليه وسلم-:"بلّغوا عني ولو آية" [4] ، وقوله:"نضّر الله امرءًا سمع منا شيئًا، فبلّغه كما سمعه، فرُبّ مُبَلّغ أوعى من سامع" [5] .
بدأ ذلك منذ وقت مبكّر، في عهده صلى الله عليه وسلم. فقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- يكتب كل شيء سمعه من
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (8/ 620 رقم 4886) في التفسير، باب: {وما آتاكم الرسول فخذوه} .
ومسلم (2/ 1678 رقم 120) في اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة ....
(2) ص 72 فما بعد.
(3) الآية (44) من سورة النحل.
(4) أخرجه البخاري (6/ 496 رقم 2461) في الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
(5) أخرجه الترمذي (7/ 417 رقم 2795) في العلم، باب في الحث على تبليغ السماع، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".