الصفحة 22 من 48

قال في (( المنح ) ) (1) : إنه صريحٌ في جواز بيع الغلام من اللوطي، والمنقول في كثير (2) من الفتاوى (3) أنه يكره، وهو الذي عوَّلنا عليه في (( المختصر ) ) (4) . اهـ.

أقول (5)

(1) منح الغفار شرح تنوير الأبصار )) (2: ق334ب) لمحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، قال محب الدين: كان إمامًا كبيرًا حسن السمت قوي الحافظة كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: (( تنوير الأبصار ) )، و (( الوصول إلى قواعد الأصول ) )، و (( إعانة الحقير شرح زاد الفقير ) )، (ت1004هـ) . ينظر: (( خلاصة الأثر ) ) (4: 18-20) . (( طرب الأماثل ) ) (562-563) ، (( دفع الغواية ) ) (ص11) .

(2) ليس الاعتبار بالنقل في كثير من الكتب على أنه القول معتمد، ولا سيما إذا كان في الفتاوى الكتب غير المعتبرة والحواشي، قال ابن عابدين في (( شرح عقود رسم المفتي ) ) (13) : وقد يتفق نقل قول في نحو عشرين كتابًا من كتب المتأخرين، ويكون القول خطأ أخطأ به أول واضع له فيأتي من بعده وينقله عنه، وهكذا ينقل بعضهم عن بعض كما وضع في بعض مسائل ما يصح تعليقه وما لا يصح تعليقه كما نبه على ذلك ابن نجيم في (( البحر الرائق ) ).

(3) كما سبق أن ذكرنا عن (( فتاوى قاضي خان ) )، و (( الفتاوى الولوالجية ) )، و (( المحيط ) )، و (( حاشية الخادمي ) ).

(4) تنوير الأبصار )) (215) .

(5) القائل ابن عابدين رحمه الله تعالى، وفي كلامه هنا ردٌّ على صاحب (( المنح ) )وعلى أصحاب والفتاوى وغيرهم ممن بكراهية بيع الأمرد من ثلاثة وجوه، هي:

الأول: أن كلام الزيعلي والعيني وغيرهما صريح في أن بيع الأمرد ممن يلوط به ليس مما تقوم المعصية بعينه، وإنما تقوم بفعل فاعل مختار، فينقطع نسبته عن بائعه. وهذا الموافق للكتب المعتبرة في المذهب في نظائرها من المسائل. ولذلك كان ما في الفتاوى من أنه يكره مشكل؛ لأنه ينقض الأصل الذي بنيت عليه نظيرها من المسائل.

الثاني: أن من قال بالكراهة بيع الأمر، لم يقل بكراهة إجارة البيت ممن يتخذه بيت نار أو لبيع الخمر أو غير ذلك، وكذلك لم يقل بكراهة بيع العصير ممن يتخذه خمرًا، فهاتان المسألتان متفق على عدم الكراهة فيهما بين الكتب، بل ظاهر الرواية في المذهب ينص على ذلك، ولا فرق بينهما وبين مسألة الأمرد في شيء، فكل منهما يتوسط بين البيع والإجارة وبين المعصية فعل فاعل مختار، وفي كل منهما يكون لدى البائع والمشتري علم بأن ستكون فيه معصية. فما الذي حملكم على التقريق بينهما؟

أجيب عن السؤال: بأن الذي حملهم على التفريق أنه في مسألتي البيت والعصير ظاهر الرواية وجميع الكتب المعتبرة والمتون تنص على عدم الكراهة، فلم يتمكنوا من المخالفة بذكر الكراهة فيهما، بينما في مسألة الأمرد لا يوجد نص في ظاهر الرواية عليها وإنما هي مخرجة مسائل ظاهر الرواية، ومعلوم أن في المسألة خلاف بين الإمام وصاحبيه، فيكون قاضي خان في (( فتاواه ) )خرجها على قول الصاحبين وتابعته باقي الكتب التي نقلتها، وقد سبق أن ذكرنا عن ابن عابدين أن نقل المسألة في بعض الكتب لا يدل على اعتبارها إذا خالفت المعتبر في المذهب.

ويؤيد ما أجبت به ما قاله أبو السعود في (( حاشيته على شرح ملا مسكين ) )3: 406 بعد نقل كلام الولوالجي و (( المحيط ) )السابق ذكره: ومن هنا ظهر أن ما ذكره الولوالجي من كراهة بيع الأمر ممن يعصي فيه أشبه بمذهب الصاحبين، وما ذكره الزَّيْلَعِيّ من عدم الكراهة أشبه بمذهب الإمام…

الثالث: أن كان ينبغي لمصنف (( التنوير ) )وهو صاحب (( المنح ) )أن يعول في مسألة بيع الأمرد على ما ذكر في الشروح؛ لأن ما في الشروح مقدم على ما في الفتاوى، كما أن ما في المتون مقدم على ما في الشروح، وهذه من القواعد المهمة المرسومة في كتب رسم المفتي كما في (( النافع الكبير ) ) (23) ، و (( المنهج الفقهي ) ) (176) ؛ لذلك فإن ما ذكره في هذه المسألة غير مقبول منه، وإنما التعويل على الكتب المعتبرة والشروح المعتمدة في المذهب، وهذه المسألة ليست المسألة الوحيدة التي خالف فيها مصنف (( التنوير ) )المعتبر في المذهب، فقال اللكنوي في (( طرب الأماثل ) ) (563) : (( التنوير ) )وإن كان أحسن الكتب المصنّفة في الفن، لكن بعض المسائل المذكورة فيه وقعت في غير موقعها: كمسألة أفضلية كثرة الركوع والسجود من طول القيام، وهي وإن كان ذهب إليها صاحب (( البحر ) )وغيره، لكنه مخالف لجمهور الفقهاء، وكمسألة انتقاض وضوء مدمن الخمر بعرقه، وغير ذلك كما لا يخفى على من طالعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت