الصفحة 28 من 48

ثم اضطربت كلماتهم في تفسير هذه الضابطة (1)

(1) لم أر اضطرابًا في الكتب في تفسير هذه الضابطة الرئيسية، وهي: أن ما قامت المعصية بعينة مكروه، وما لم تقم بعينه فلا يكره.

وإنما الذي حصل هو تفسيرها بما تقضيه المسألة المذكورة فيها، على هيئة يمكن أن تفهم به المسألة، وإليك بيان ذلك في كل المسائل المذكورة في الباب:

ففي مسألة بيع ما يتخذ منه السلاح من أهل الفتنة، وما يتخذ منه المزامير، والعصير، والعنب، والكرم، والجارية ممن لا يستبرئها، أو يأتها من غير المأتى، والأمرد ممن يلوط به، والكبش النطوح، والديك المقاتل، والحمامة الطيارة، وإجارة بيت ممن يتخذه بيت نار، أو كنيسة، أو بيعة، أو يبيع فيه الخمر، وحمل الخمر، والعمل في كنسية أو تعميرها، ورعي الخنازير، صرحوا بعدم الكراهة، وتتفق علة ذلك بينهما؛ بأنها ليست مما تقوم المعصية بعينها؛ أي أن عينها ليست منكرًا، فلا يمكن استخدامها إلا في الحرام، بل تستخدم فيما هو مباح، ولذلك كان المنكر في استخدامها المحظور، وهو فعل فاعل مختار، تنقطع النسبة بفعله عن البائع والمؤجر.

وعليه يكون تفسير ضابط: ما لم تقم المعصية به؛ عندهم: أي ليست عينه منكرًا، ويتخلل بينه وبين فعله فعل فاعل مختار.

لكن اقتصرت بعض الكتب بتفسير هذا الضابط في بعض المسائل ببعض هذا التفسير؛ لكونه أظهر فيه من الباقي، أو لأن ذلك معروف ومسلم فيه فلا حاجة لذكره، أو لأنه ذكره في مسألة فلا حاجة إلى تكراره؛ لأنه علم أو غير ذلك.

وكذلك قولهم: ما تقم المعصية بعينه بل بعد تغير؛ يشتمل لما ذكرنا، من أنه ليست عينه منكرًا، وأنه احتاج إلى فاعل مختار في ذلك فانقطع نسبته عن البائع، والله أعلم.

وفي مسألة بيع الخمر والمزامير صرحوا بالكراهة؛ وعلة ذلك؛ أنها مما تقوم المعصية بعينها: أي أن عينها منكرٌ، ولا تستخدم إلا في المنكر.

أما مسائل السلاح فقد سبق منا الكلام فيها، وأن فيها نص شرعيًا، فخرج به عن القاعدة بعض الشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت