فهرس الكتاب
فهذا تصويرُ ما قامت المعصية بعينه، وما ليس كذلك لم تقم المعصية بعين فعل المعين، وسائر الجزئيات المذكورة من: بيع العصير، والأمرد، والجارية المغنية، والكبش النطوح، والحمامة الطيّارة، وإجارة البيت لبيع الخمر، أو اتخاذه بيت نار، أو كنيسة، وإجارة نفسه، أو دابته لحمل الخمر، وأمثاله، ومثله بيع الأسلحة من أهل الفتنة كلُّها داخلة في هذا القسم أعني ما لم تقم المعصية بعينه بشرط أن لا ينوي بها معصية، ولا يصرِّح بها في العقد، ولا يتمحضُ استعمالها في المعصية كما قلنا (1) .
وعلى هذا فخرجت هذه الجزئيات كلها من باب الإعانة على المعصية حقيقة، ومن ثم أطلقَ الفقهاءُ رحمهم الله تعالى فيها لفظ الجواز (2) ـ بمعنى صحة العقد ـ مع كون الإعانة على المعصية حرامًا بنصِّ القرآن (3)
(1) لكن هذه المسائل مذكورة في الكتب الفقهية ومصرحًا فيها بالعلم والقصد لدى المشتري والمؤجر ومع ذلك أدخلوها في قسم ما تقم المعصية بعينه، ولم يشترطوا هذا الشرط الذي شرطه المؤلف.
(2) نعم خرجت من باب الإعانة على المعصية بأن لم تقم المعصية بعينها على رأي أبي حنيفة؛ ولذلك أطلق عليها الفقهاء الجواز ونفوا عنها الكراهة؛ لا بما شرطت.
(3) المذكور في القرآن: هو قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] وقوله: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [ المائدة: 3] ، وهما كما ترى ليست دلالتهما قطعية؛ لإفادة التحريم؛ لذلك صرح فقهاء الحنفية فيه بالكراهة، أما تحديد ضابط الإعانة المعصية الذي فيه هذه الكراهة، فقد حُدِد عند أبي حنيفة: بما قامت المعصية بعينه، وقد سبقه الكلام في شرحه.
وقد يظهر للناظر لأول وهلة في تحديد هذا الضابط في إعانة على المعصية عند الإمام نوع بشاعة وبعد، وهذا من الناحية النظرية. وأما من يعمق النظر ويدقق الفكر ويسبر المسائل يجد فقاهة إمامنا الأعظم في ذلك، إذ لو فسرت الإعانة على المعصية بغير ما يقول به؛ لوقع الناس في حرج عظيم جدًا في معاشهم وعياتهم، إذ أغلب حياة الناس وأرزاقهم موصلة إلى الإعانة إلى الحرام بطريق أو أخرى؛ ولذلك احتيج لضابط يفرق بين الإعانة وغيرها في ذلك، وهذا ما فعله الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه.