الصفحة 40 من 48

ومثله قوله تعالى: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (أحزاب) (1) ، فإن الخضوعَ بالقول سببٌ محرك (2) للفتنة، بحيث لو كفَّ عنه، كفَّ عن الابتلاء بها، فنهى الله سبحانه وتعالى عنه، وجعله معصيةً؛ لهذا السبب.

ومثله قوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} الآية (3) ، فإن تبرج النساء للرجال سببٌ محركٌ للفتنة والمعصية، وإن كنّ بمعزل عن قصدِها ونيَّتِها، فالخضوعُ بالقول والتبرج للرجال إن كان بقصد الفتنة، فهو معصيةٌ بنفسها، وإن عرى عن النية، فهو معصية بنفسها، وإن عرى عن النيّة، فهو معصية؛ لكونها سببًا محركًا للفتنة (4) .

فالسبُّ لآلهة الكفّار والخضوع بالقول من النساء والتبرج للرجال كلُّها سببٌ قريب للمعصيةِ ومحركٌ عليها، فكان حرامًا بنصِّ القرآن، وجعله في الحديث المذكور أكبر الكبائر.

والقسم الثاني من السبب القريب: أعني ما لم يكن محرّكًا وباعثًا، بل موصلًا محضًا فحرمته وإن لم تكن منصوصة، ولكنه داخلٌ فيه باشتراك العلّة، وهي الإفضاء إلى الشر والمعصية؛ ولهذا أطلق الفقهاء رحمهم الله عليها لفظ: كراهة التحريم؛ لا الحرمة، كما في سائر الجزئيات المذكورة سابقًا، فإنّهم قالوا: إنّها تكره كراهة التحريم. كما صرِّح به في (( الخانية ) )جزمًا (5)

(1) من سورة الأحزاب، الآية (32) .

(2) في الأصل: محركة، والمثبت متناسق مع السياق.

(3) من سورة الأحزاب، الآية (33) .

(4) فيه أنه صار معصية لكونه ورد النهي عنه في الشرع؛ ولذلك لم يعد يلتفت فيه إلى النية. والله أعلم.

(5) ما رأيته أن الذي صرَّح بالكراهة التحريمية في بيع السلاح من أهل الفتنة هو ابن نجيم في (( البحر الرائق ) ) (5: 154-155) ، والحصكفي في (( الدر المختار ) ) (4: 268) ، وتابعهم ابن عابدين في (( رد المحتار ) ) (4: 268) ، والخادمي في (( حاشيته على الدرر ) ) (149) .

أما قاضي خان فصرح في (( الخانية ) )بكراهية بيع الأمرد ممن يلوط فيه. ووافقه البعض. ولكن سبق منا أن بينا أن هذا خلاف المعتمد والمعتبر، وأنه ليس على أصل الإمام، وإنما على أصل الصاحبين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت