فهرس الكتاب
، واختارَه كثيرٌ من أرباب الفتوى.
ومن أطلقَ عليه لفظ الجواز، فيحملُ على جواز العقد بمعنى الصحّة دون رفع الإثم، كما هو معهودٌ عند فقهائنا في مواضع لا تحصى، كما يشير إليه كلام (( البدائع ) )و (( مبسوط السرخسي ) )معزيًا (( للأصل ) ) (1) .
ومن هذا القبيل بيع الأسلحة لأهل الفتنة وأهل الحرب، فإنه سبب قريب وصورة إعانة المعصية بحيث لا يحتاج فيها إلى إحداث صنعة، بل تستعمل في المعصية بعينها وبحالتها الموجودة (2) ، وقد صرَّحَ به في (( السير الكبير ) )حيث قال: فإن اشتروا دورًا؛ للسكنى، فأرادوا أن يتخذوا دارًا منها كنيسة أو بيعة أو بيت نار يجتمعون فيه؛ لصلواتهم، منعوا من ذلك، ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤاجرهم بيتًا لشيء من ذلك؛ لما فيه صورة الإعانة إلى ما يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين، فإن أجرَهم فأظهروا شيئًا من ذلك في تلك الدار، منعهم صاحبُ البيت وغيرُه من ذلك، على سبيل النهي عن المنكر، وهو في ذلك كغيره ولا يفسخ عقد الإجارة بهذا، بمنزلة ما لو أجرَ بيتَه من مسلمٍ فكان يجمعُ الناسَ فيه على الشراب أو يبيع المسكر فيه، فإنّه يمنعه من ذلك على سبيل النهي عن المنكر، ولا تفسخ الإجارة لأجله. (( متن سير كبير من شرح السرخسي ) ) (3)
(1) سبق أن ذكرنا هذا الكلام من الإمام غير دقيق، وأن كلام (( البدائع ) )و (( المبسوط ) )لا يدل على شيء مما يقول البتة، وقد صرح في المسائل بعدم الكراهة وطيب الأجر.
(2) سبق أن ذكرنا أن مسألة السلاح استثنيت بعض الشيء من القاعدة؛ لما ورد فيها من نصوص شرعية، فكانت خلاف القياس.
(3) المسألة في (( شرح السير الكبير ) ) (4: 1536-1537) كالآتي: ولو ظهر الإمام على قوم من أهل الحرب، وعلى أرضهم، فرأى أن يجعلهم ذمة كما فعلَه عمر رضي الله عنه بأهل سواد الكوفة فهو جائز مستقيم ... ثم لا يمنعون بعد ذلك من بناء بيعة: أو كنيسة ولا من إظهار بيع الخمور والخنازير في قراهم وأمصارهم؛ لأن المنع من ذلك مختصٌّ بأمصار المسلمين التي تقام فيها الحدود والجمع، … فإن مصَّر الإمامُ في أراضيهم مصرًا للمسلمين، كما مصر عمر رضي الله عنه البصرة والكوفة، فاشترى بها أهل الذمة دورًا وسكنوا مع المسلمين لم يمنعوا من ذلك ـ أي السكنى ـ؛ لأنا إنما قبلنا منهم عقد الذمة ليقفوا على محاسن الدين، فعسى أن يؤمنوا واختلاطهم بالمسلمين في السكنى معهم يحقِّق هذا المعنى … فإن اشتروا دورا للسكنى فأرادوا أن يتخذوا دارًا منها كنيسة أو بيعة أو بيت نار يجتمعون فيها لصلاتهم منعوا من ذلك؛ لما في إحداث ذلك من صورة المعارضة للمسلمين في بناء المساجد للجماعات، وفيه ازدراء بالدين واستخفاف بالمسلمين. وكذلك يمنعون من إظهار بيع الخمور والخنازير ونكاح ذوات المحارم في هذا المصر؛ لأن في هذا الإظهار معنى الاستخفاف بالمسلمين، ومقصودهم يحصل بدون الإظهار. ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤاجرهم بيتًا لشيء من ذلك؛ لما فيه من صورة الإعانة إلى ما يرجع إلى الاستخفاف بالمسلمين، فإن آجرهم فأظهروا شيئًا من ذلك في تلك الدار منعهم صاحب البيت وغيره من ذلك، على سبيل النهي عن المنكر، وهو في ذلك كغيره، ولا يفسخ عقد الإجارة بهذا، بمنزلة ما لو أجر بيته من مسلم فكان يجمع الناس فيه على الشراب أو يبيع المسكر فيه، فإنه يمنعه من ذلك على سبيل النهي عن المنكر ولا تفسخ الإجارة لأجله؛ لأن المنع من هذا ليس لمعنى يتصل بعقد الإجارة.
فالملاحظ أن المسألة مذكورة في معرض بيان أحكام أهل الذمة الذين مصَّر الإمام في أراضيهم مصرًا للمسلمين، فإنهم يمنعون فيه من شراء دورًا ليتخذوها كنيسة أو بيعة أو لبيع الخمور، ويمنعون من إظهار بيع الخمور ونكاح المحارم، ولا ينبغي لأحد من المسلمين أن يؤجرهم لفعل ذلك؛ وكل من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لما فيه من الاستخفاف في الدين.
وأيضًا: لا يحقّ لهذا المؤجر أن يفسخ عقد الإيجار بسبب هذه المعاصي؛ لأن المنع من هذه المعاصي ليس لمعنى يتصل بعقد الإجارة، وإنما من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى كلِّ فإن المسألة هذه هنا مذكورة على رأي محمّد، لا علي رأي أبي حنيفة الذي لا يقول بذلك كما صرحت به عبارة (( الأصل ) )و (( الجامع الصغير ) )من كتب ظاهر الرواية، وكل كتب متون وكتب المذهب، فلا وجه للاستناد بهذا النقل بشيء، وإنما محل النِّزاع فيما بيننا مع المؤلف هو في تحرير رأي أبي حنيفة ورأي المذهب المعتمد.