ومما يقصمُ الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطًا سأله، فقال: أنا ممن يخيط للظلمة، فهل أعد من أعوانهم، فقال: لا أنت منهم، والذي يبيعك الإبرة من أعوانهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (( روح ) ) (1) بلفظه (2) .
وحاصل المعنى حرمة الإعانة على المعصية، ولكن العون والإعانة والتسبب لأمر شيء واسع يضيق عنه دائرة الحصر، ولها درجات متفاوتة قربًا وبعدًا، فإطلاق الحرمة على جميعها مطلقًا يلحق بتكليف ما لا يطاق، فإن مكاسب الإنسان كلها ينتفع بها كل إنسان برّهم وفاجرهم، ولا يمكن التحرز عنه، ألا ترى أن مَن صنع ثوبًا، أو أواني، أو شيئًا آخر من الحوائج الإنسانية، لا بد أن ينتفع به برهم وفاجرهم، وحينئذ لا بُدَّ من تفصيل في الكلام، قد تصدَّى له الفقهاء رحمهم الله:
قال العبدُ الضعيفُ: وظاهرُ كلام الفقهاء رحمهم الله في هذا الباب مضطربٌ، وجزئياتُ الفتاوى في أمر الإعانة على الظلم والمعصية بظاهرها متعارضة:
فبعضها: تقتضي الجواز.
وبعضها: تصرح بالحرمة.
وبعضها: بكراهة التحريم.
وبعضها: بكراهة التنْزيه.
ولا يخفى على من أمعن النظر أنّ في الإعانة درجات متفاوتة، واختلاف الأحكام بحسب اختلاف الدرجات، نعم؛ يشكلُ على الناظر في كلام الفقهاء تنقيحُ ضابطةٍ سالمةٍ عن النقض يُدارُ عليها الأحكام:
(1) تفسير روح المعاني )) لمحمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، شهاب الدين، أبو الثناء، من مؤلفاته: (( كشف الطرة عن الغرة في شرح درة الغواص ) )للحريري، و (( الأجوبة العراقية والأسئلة الإيرانية ) )، و (( حاشية على قطر الندى ) )، (1217 ـ 1270هـ) . ينظر: (( معجم المؤلفين ) ).
(2) أي كل ما سبق منقول من (( روح المعاني ) ) (20: 56-57) بألفاظه، دون اختصار أو تغيير.