-عقلًا- أن ينهضوا من كبوتهم مستفيدين مما رأوا، ولكنهم - واقعًا - لم يفعلوا ذلك لأنهم:
أولًا: لم يكونوا يملكون القدرة على التمييز وتقدير التجربة حق قدرها.
وثانيًا: كان اقتران العلوم الجديدة بتلك الحملة الصليبية الوحشية - التي انتهكت حرمة الأزهر نفسه -دافعًا لمقت تلك العلوم ورفضها إطلاقًا.
وحدثت نفرة شديدة بين علم الأزهر الذي كان يعتقد أنه يمثل الثقافة الإسلامية أصدق تمثيل وبين علم الغرب الذي بدا لأعين الأزهريين علمًا غريبًا خاصًا بالكفار.
من هذا الخطأ التاريخي تقريبًا نشأت الازدواجية الخطرة في العالم الإسلامي: تعليم ديني ضيق محدود، وتعليم لا ديني يشمل نشاطات الفكر كلها.
وقد حاول محمد علي في أول الأمر أن يدخل العلوم الحديثة ضمن مناهج الأزهر، إلا أنه خشي معارضة الأزهريين، فقام على الفور بإنشاء نظامه التعليمي الحديث، وهكذا انقسم التعليم في مصر إلى نظام ديني ونظام مدني حديث [1] .
ولما كان اللقاء بين شيخ الأزهر وجومار [2] مستحيلًا، فقد كان لا بد من الصراع بين أتباع وثقافة كل منهما، ورأى أبناء جومار أن القضاء على الأزهر يكون ببقائه جامدًا معزولًا عن الحياة ومتغيراتها.
(1) تاريخ ونظام التعليم في مصر: منير عطا الله وزملاؤه: (79) .
(2) أستاذ فرنسي عهد إليه محمد علي بالإشراف على الطلبة المبتعثين.