والمخيرة بخيار البلوغ في حق اختبارها نفسها بمنزلة الشفيع في طلب الشفعة فإنها كما بلغت بحيض أو يسن ينبغي لها أن تختار نفسها كما أن الشفيع إذا بلغه الخبر ينبغي له أن يطلب الشفعة وتشهد على اختيارها نفسها لو كان عندها من يصلح لذلك وإلا تخرج إلى الناس وتختار ثانيًا وتشهد ولو لم تختر في بيتها وخرجت إلى الناس بطل خيارها والأشهاد ليس بشرط لاختيارها نفسها لكن شرط الأشهاد لتثبت اختيارها ببينة فيسقط عنها اليمين والتحليف على اختيارها نظير تحليف الشفيع على طلب شفعته فلو قالت للقاضي قد اخترت نفسي حين بلغت أو قالت حين بلغت طلبت الفرقة صدقت مع اليمين ولو قالت بلغت أمس وطلبت الفرقة لا تصدق فتحتاج إلى البينة وكذا الشفيع لو قال طلبت حين عملت صدق لا لو قال عملت أمس وطلبت فعليه البينة وهذا لأنهما أضافا الطلب والاختيار إلى وقت ماض فحكيا ما لا يملكان استئنافه في الحال ومن حكى ما لا يملك استئنافه في الحال لا يصدق فيه بلا بينة وإذا لم يضيفا الاختيار والطلب إلى وقت ماض بل أطلقا الكلام إطلاقًا فقد حكيا ما يملكان استئنافه للحال لأنا تجعل الجارية كأنه بلغت الآن واختارات نفسها الآن والشفيع علم بالشراء الآن وطلب الشفعة الآن فلهاذ صدقا إذا أطلقا.
أقول: إذا أطلق عند القاضي ولا أحد غيره بصدق على ما مر مع أنه علم يقينًا أنه علمه في الماضي فقد حكى ما لا يملك استئنافه فينبغي أن لا يصدق بلا بينة وأيضًا قوله صدّقت مع اليمين بدل على أنها لا تجعل كأنها بلغت الآن واختارت نفسها الآن وإلا لما حلفت لأنها تملك استئنافه على ما مر فإن قيل قوله لا يصدق فيه بلا بينة إلخ يقتضي وجوب البينة في طلب المواثبة حيث قال علمت أمس وطلبت وهو طلب المواثبة فيكون في وجوب البينة في طلب المواثبة روايتان يجب في رواية لا في رواية.
أقول: لا يلزم ذلك لأنه لما أضاف الطلب إلى وقت ماض وجب فيه طلب المواثبة وطلب الأشهاد فإيجاب البينة يحتمل أن يكون بالنسبة إلى طلب الأشهاد لا بالنسبة إلى طلب المواثبة فلا يلزم ما قلتم.
والظاهر مما سبق من قوله والأشهاد ليس بشطر إلى نظير تحليف الشفيع إلخ أن يجري التحليف في الإطلاق والإضافة إلى الماضي دفعًا للحرج.
ادعت على زوجها نفقة العدة لا يحلف على الحاصل ما لها عليك تسليم النفقة من الوجه الذي تدعي إذ لا نفقة للمبتوتة عند الشافعي فربما يتأول قوله فيحلف على السبب ما هي معتدة عنك من الوجه الذي تدعي ولو اختلعت بمهرها وأنكر الزوج فالقول قوله ويحلف على السبب عند"س"رحمه الله ويحلف على الحاصل في ظاهر الرواية ولو أقر الواهب أن الموهوب له قبض الهبة في المجلس أو بعده بأمره ثم قال بعده أنه لم يقبض وكنت أقررت به كاذبًا وسأل القاضي أن يحلف الموهوب له بالله لقد قبضته بحكم هذه الهبة التي تدعي فعندهما لا يحلفه إذ التحليف يترتب على دعوى صحيحة ولم تصح هنا للتناقض وعلى قول"س"رحمه الله يحلفه وعلى هذا الخلاف لو أقر المشتري بقبض المبيع ثم ادعى أنه لم يقبضه وطلب من القاضي تحليف البائع بالله لقد سلمته إلى المشتري بحكم هذا الشراء الذي يدعيه والبائع لو أقر بقبض الثمن ثم ادعى أنه يقبضه أو أقر البائع بالبيع ثم أنكر وقال أقررت به كاذبًا وأراد تحليف المشتري والدائن لو أقر بقبض دينه وأشهد عليه ثم أنكر قبضه وأراد تحليف المديون والمقر بدين لو أنكر الدين وقال أقررت به كاذبًا وأراد يمين المقر له فالكل على خلاف مر ويقول"س"رحمه الله المعتاد فيما بين الناس أن البائع يقر بقبض الثمن والمشتري بقبض المبيع للأشهاد وإن لم يقبضه وكذا المستقرض يكتب أولًا خط الإقرار ويشهد عليه قبل قبض المال عادة فلو منع التناقض صحة الدعوى والتحليف بطل حقوق الناس"خ"الشافعي رحمه الله مع"س"رحمه الله في التحليف فيما اختلف فيه يفوض ذلك إلى رأي القاضي والمفتي ولو أشهد البائع على البيع وقبض الثمن ثم ادعى التلجئة وطلب يمين المشتري ذكر في كتاب الاستحلاف أنه يحلف وفاقًا إذ البائع لم يناقض لأنه لم يوجد منه الإقرار ببيع مطلقًا والبيع قد يكون جدًا وقد يكون تلجئة فتصح الدعوى والتحليف ويحلف ما شرطت كون هذا البيع تلجئة.
قال"س"رحمه الله أربعة أشياء يحلف القاضي الخصم فيها قبل أن يسأله المدعي:
أحدها: الشفيع إذا طلب الحكم بالشفعة يحلفه بالله لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء وإن لم يطلبه المشتري وهو قول ابن أبي ليلى وعند"حم"رحمهما الله لا يحلفه.
أقول: هذا يدل على أن الأشهاد في الشفعة على طلب المواثبة ليس بشرط لازم.
وثانيها: البكر إذا بلغت وطلب التفريق من القاضي يحلفها لقد اخترت الفرقة حين بلغت وإن لم يدعه الزوج.
وثالثها: المشتري لو أراد ردًا بعيب يحلفه القاضي أنه لم يرض بالعين ولا عرضة على البيع منذ رآه.