"فن"البيع الذي تعارف أهل زماننا احتيالًا للربى وسموه بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه وهو ضامن لما أكل من ثمره وأتلف من شجره ويسقط الدين بهلاكه لو بقي ولا يضمن الزيادة وللبائع استرداده إذا قضى دينه لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام لأن المتعاقدين وإن سمياه البيع ولكن غرضهما الرهن والاستيثاق بالدين إذ العاقد يقول لكل أحد بعد هذا العقد رهنت ملكي فلانًا والمشتري يقول ارتهنت ملك فلان والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني فإن الحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة والكفالة بشرط البراءة حوالة وهبة الحرة نفسها بحضرة الشهود مع تسمية المهر نكاح والاستصناع الفاسد إذا ضرب فيه الأجل سلم ونظائره كثيرة قال السيد الإمام قلت للإمام أبي الحسن الماتريدي قد فشا هذا البيع بين الناس وفيه مفسدة عظيمة وفتواك أنه رهن وأنا أيضًا على ذلك فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظيره بين الناس فقال المعتبر اليوم فتوانا فقد ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرر نفسه وليقم دليله وقيل هو بيع جائز وسئل عمن باع نصف كرمه من آخر ببيع الوفاء وخرج هو في الصيف إلى كرمه بأهله وأخرج هذا المشتري أهله وأدركت الغلات فأخذ البائع نصفها والمشتري نصفها هل للبائع إذا تقايلا البيع وأعطاه ثمن ما شراه أن يطالبه بما حمل من الغلات قال: لو أخذه بغير رضا البائع فللبائع أن يطالبه به لا لو أخذه برضاه ويكون ذلك هبة منه قال ولابد من التفصيل فيه فإن رب الكرم هو الذي نقله إلى كرمه فيحتمل الأخذ برضاه وغيره رضاه فأما لو شرى كله وقبضه وأخذ غلاته والأخذ بغير رضى البائع فهو في الحقيقة رهن وليس للمرتهن أن يأكل غلة الرهن فإذا أكلها ضمنها فافتيا بالضمان على الاتفاق لذلك.
أقول: غرضهما من التبايع هو أخذ غلته والانتفاع به فيكون الأخذ برضاه شواء باع كله أو بعضه فينبغي أن لا يضمن وفاقًا سئل عمن باع بيع وفاء فتقابضا فاستأجره من المشتري هل يلزم الأجر؟ قال: لا لأنه رهن والراهن لو استأجر الرهن من مرتهنه لم يلزمه الأجر وسئل عمن باعه بيع وفاء فباعه المشتري من آخر بيعًا باتا وسلم وغاب هل للبائع الأول أن يخاصم المشتري الثاني ليأخذه منه؟ أجاب: نعم، وإن كان حق الحبس للمرتهن لكن يد المشتري الثاني غير محقة والبائع الأول مالك له وله طلب ملكه ممن أخذه بغير حق ثم للمرتهن أن يأخذه منه ويحبسه متى حضر المشتري وكذا لو مات البائع الأول والمشتري الأول والآخر فلورثة البائع الأول أن يأخذوه من ورثه المشتري الآخر ولهذه الورثة طلب ما أخذه البائع من الثمن ولورثة المشتري الأول أن تأخذ المبيع من ورثة البائع الأول فحبسوه بدين مورثهم إلى أن يقضوا دينه جملة"فن"وفي"من"قال النسفي اتفق مشايخ زماننا على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف لأنهما تلفظا بلفظ البيع بلا ذكر شرط فيه والعبرة للملفوظ دون المقصود فإن من تزوج امرأة بنية أن يطلقها بعد ما جامعها صح العقد.
أقول: إن الانتفاع به مقصود كما أن الاستيثاق به مقصود فلا وجه لجعله رهناء مع رضاه بالانتفاع فعلى هذا لا يكون رهنًا لا لفظًا ولا غرضًا.