أقول: هذا على قول"ح"رحمه الله ظاهر إذ المحاباة رجحت على العتق مع أنه لا يقبل الفسخ فترجيحها على الهبة أولى وأما تعليلهما أولوية العتق بأن لا يقبل الفسخ فيترجح على محاباة تقبله فهو يأبى أن تكون الهبة أقوى من المحاباة عندهما وذكر ابن الفضل لأبي حنيفة وجهًا آخر وهو أنه لما بدأ بالمحاباة فقد شغل موضع التصرف فعقدهما ضمانًا وجب عليه تسليمه إلى المشتري فلزمه السعاية كمن رهن قنه ولا مال غيره ثم أعتقه وأما إذا بدأ بالعتق فهذا المعنى معدوم فيتحاصان فلو أعتق فحابى فاعتق قنه فنصفه للمحابة ونصفه بين العتقين وعندهما يبدأ بالعتق له أن العتق الأول وقع في حال اليسار فصار ذلك عقد ضمان والمحاباة عقد ضمان فاستوى ضمانان وكان بينهما نصفان نصف للمحاباة ونصف للعتق إلا أن العتق الأول والثاني جهة واحدة فاستويا ولو أحدهما قبل الآخر كما لو حرر ثم حرر استويا في الثلث ولو حابى فحرر فحابى رجحت المحاباة الأولى لما مر ثم المحاباتان جهة واحدة فاستويا فكان الثلث بينهما نصفين فما أصاب الثانية فهو بينهما وبين العتق نصفان إذا العتق مقدم على الثانية وعلى قولهما يبدأ بالعتق كذا"فضع"وفي"فش": ولو كان العتق موصى به تقدم المحاباة بالإجماع ولو اجتمع المحاباة ولاوصية بالثلث تترجح المحاباة لثبوتها في ضمن عقد لازم وهو البيع ولو كانت على الوصية بعين من العروض تنفذ الوصية والمحاباة من الثلث على السوية إذ لا مرجح إذ كل منهما تمليك العين صورة ومعنى حتى لو قال أوصيت لفلان بثلث المال فالوصية بالمائة المرسلة تقدم الوصية بثلث المال كذا"فش".
أقول: ولو كان كل منهما تمليك عين لكن المحاباة عقد لازم والهبة فينبغي أن تترجح وقد مر أن في المحاباة والهبة خلافًا مع أن الهبة تمليك عين صورة ومعنى ذكر"م"رحمه الله في"سك": أن المريض لو أعطى من أعيان ماله بعض ورثته لتكون له تحفة من الميراث بطل.
"جف": جعل لأحد أبنيته دارًا بنصيبه على أن تكون له بعد موت الأب ميراثًا قيل جاز وبه أفتى بعضهم وقيل لا.
في تداوي المرض
روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه داوى وجهه يوم أحد يعظم بال وروى أنه عليه السلام داواه بقطعة حصير أحرقت ووجه التوفيق أنه عليه السلام داواه مرتين بهما قال"م"حمه الله: دل على أنه لا بأس بالتداوي وبه نقول ومن الناس من كرهه ويروي آثارًا تدل على كراهته ونحن نستدل بما رويناه وبما روى أنه قال عليه السلام: (( تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يخلق داء إلا وقد خلق له دواء إلا السام والهرم ) )والسام الموت وروى أنه - صلى الله عليه وسلم -كوى سعد بن معاذ رضي الله عنه بمشقص حين رمى يوم الخندق فقطع أكحله وعنه عليه السلام أنه كوى سعد بن زرارة رضي الله عنه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قال كثرت الأمراض بالنبي- صلى الله عليه وسلم - قبل موته بخمس سنين أو بست سنين وكنا ندعو الأطباء للتداوي وهذا كله دل على جواز التداوي ولكن ينبغي أن يرى الشفاء من الله تعالى لا من الدواء وهو تأويل هذه الأخبار وتأويل ما روي من الآثار إذا رأى الشفاء من الدواء أو يعتقد أنه لو لم يعالج لم يسلم ونحن نقول أنه لا يجوز العلاج بمثله قال"م"رحمه الله في"كب"لا بأس بالتداوي بالعظم لو عظم شاة أو بقر أو بعير أو فرس أو غيره من الدواب الأعظم خنزير أو آدمي فإنه يكره بهما ويجوز بعظم غيرهما ولو ميتة فلو ذكيًا جاز التداوي بعظمه رطبًا ويابسًا فإنه طاهر يباح الانتفاع به جميع أنواع الانتفاعات.
ومنا التداوي ولو ميتا يجوز الانتفاع بعظمه لو يابسًا إذ اليبس في العظم كدباغ في الجلد من حيث أنه يؤمن من فساد العظم بسببه كما يؤمن عن فساد الجلد بدباغه وأما الخنزير فنجس العين بكل أجزائه والانتفاع بالنجس حرام وأما الآدمي فقيل لنجاسة وروى عن"م"رحمه الله لو صلى وفي كمه عظم إنسان لم تجز صلاته فهذا يدل على نجاسته والصحيح أنه لكرامته وفي الانتفاع بأجزائه نوع إهانة.