وأما عظم الكلب فيجوز التداوي به وقيل لا وحكى عن"م"رحمه الله فيمن سقط سنه فأثبت سن كلب فثبتت أنه يجوز ولا يقلع ولو عاد سنه ثانيًا وثبت وقوى فلو أمكن قلعه بلا ضرر يقلع ولو تضرر لا يقلع ويتنجس فمه ولا يؤم أحدًا من الناس والمراد بالمروي عن"م"رحمه الله في المسألتين عظم أبين من الحي فإنه نجس بالنص جملة"سك"واعلم ان مزيل الضرر ينقسم إلى مقطوع به كماء وخبز لإزالة عطش وجوع وإلى مظنون كفصد وشرب مسهل وسائر علاجات الطب بالإضداد كحرارة ببرودة ونحوها وإلى موهوم ككي ورقية أما المقطوع به فليس تركه من التوكل بل تركه حرام عند خوف الموت وأما الموهوم فتركه شرط التوكل إذ به وصف النبي- صلى الله عليه وسلم - المتوكلين قال عليه السلام: (( أرأيت الأمم بالموسم فرأيت أمتى قد ملأت السهل والجبل فأعجبني كثرتهم وهيئتهم فقيل لي أرضيت فقلت نهم قال مع هؤلاء سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب قيل من هم يا رسول الله قال الذي لا يتكوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة فقال يا رسول الله ادع الله أنه يجعلني منهم فقال عليه السلام اللهم جعله منهم فقام آخر وقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال عليه السلام سبقك بها عكاشة ) )الخبر وصف المتوكلين بترك كي ورقية وطيرة وأقواها الكي ثم الرقية والطيرة أدناها والاعتماد عليها غاية التعمق في ملاحظة الأسباب وأما المظنون فاستعماله لا ينافي التوكل لبس بمحظور بل يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال في حق بعض الأشخاص وسئل النبي- صلى الله عليه وسلم - عن الدواء والرقي هل يرد من قدر الله تعالى قال هي من قدر الله وف يتداوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمره بذلك روايات ما هو خارج عن الحصر وقد صنف في ذلك كتاب سمي طب النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن بعضهم ذكر في الاسرائيليات أن موسى عليه السلام اعتل بعلة فدخل عليه بنو اسرائيل فعرفوا علته فقالوا أن دوائها معروف مجرب وأنا نتداوي به ونبرأ فلو تداويت به لبرأت فأبى ولم تزل فأوحى الله إليه لا أبرأتك حتى تتداوى بما ذكروه فتداوى به فبرئ فأوحى الله إليه أردت أن تبطل حكمتي علي من أودع العقاقير منافع الأشياء غيري وروى أن قومًا شكوا إلى نبيهم قبح أولادهم فأوحى الله إليه مرهم أن يطعموا نسائهم الحبالي السفرجل فإنه يحس الولد فيفعل ذلك في الشهر الثالث والرابع إذ فيه يصور الله تبارك وتعالىالولد فتبين بهذا أن مسبب الأسباب جلت قدرته أجرى مشيئته بربط المسببات بالأسباب والأدوية أسباب مسخرة بحكم الله تعالى فكما أن الخبز والماء دواء والجوع والعطش فكذا السكنجين والسقمونيا دواء الصفراء والإسهال غير أن علاج الجوع والعطش بماء وخبز جلي يدركه كل أحد ومعالجة الصفراء بالسقمونيا ونحوه خفي يدركه بعض الخواص فمن أدركه بالتجربة التحق في حقه بالاول وكل ذلك يتسخير الحق سبحانه وتعالى فلا يضر التوكل استعماله مع النظر إلى مسببه بأن يرى الشفاء منه لا من الدواء فإن قيل الكي من الأسباب الظاهر النفع أيضًا قلنا ليس كذلك فإنه ليس كفصد وحجامة وشرب مسهل ونحوها فإنه لو كان مثلها في الظهور لما خلت البلاد الكثير عنه وإنما هو عادة الأتراك والأعراب واليهود فهو من الأسباب الموهومة كالرقية وما من وجع يعالج بالكي إلا وله داوء يغني عنه ليس فيه إحراق فالإحراق مخرب للبنية محذور السرابة مع الغنية عنه بخلاف فصد وحجامة فإن سرايتهما بعيدة ولا يسد مسدهما غيرهما ولذا نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكي لا الرقي وكل منهما بعيد عن التوكل وروى عن عمران بن حصين رضي الله اعتل بعلة فأشاروا عليه بالكي فامتنع وعزم عليه الأمير حتى اكتوى وقال كنت أرى نورًا وأسمع صوتًا وتسلم علي الملائكة فلما اكتويت انقطع ذلك عني ثم تاب بعد ذلك وأناب إلى اله تعالى فرد عليه ما كان يجد من أمر الملائكة وغيره.
الفصل الخامس والثلاثون فيما يمنع عنه وما لا يمنع وفيما يحل فعله وفيما لا يحل
أراد أن يحدث ظله في طريق العامة وهي لا تضر بالعامة فالصحيح من مذهب"ح"رحمه الله أن لكل من المسلمين حق المنع والطرح وقال"م"رحمه الله: له حق المنع لا الطرح. قال"س"رحمه الله: ليس له كلاهما ولو ضر فلكل منهم حق المنع والطرح والرفع وإحداثها في سكة غير نافذة لم يجز بلا إذن أهلها ضر أولى، وذكر"طى"أن إحداثها على طريق العامة يباح قبل أن يخاصمه أحد لا بعده ولا الانتفاع ويأثم بتركها، قال"سر": يباح له الانتفاع لو لم يضرهم.