العتق لا يتجزأ عند علمائنا رحمهم الله وعند الشافعي رحمه الله لو كان المعتق موسرًا فكذلك ولو معسرًا فإنه يتجزأ ولا يخرج القن إلى الحرية بالسعاية والإعتاق يتجزأ عند"ح"رحمه الله لا عندهما وقد يشتبه على بعض الفقهاء تصوير الخلاف بين أبي حنيفة رحمه الله وبين صاحبه وذلك أن العتق لا يتجزأ عندنا فلو أعتق شقص قنه ثبت العتق فيه وفي عامة الإشقاص ضرورة أن العتق لا يتجزأ فيجب أن يكون معتق البعض حرًا عند الكل وليس كذلك فإن على قول"ح"رحمه الله معتق البعض كمكاتب وهذا الاشتباه إنما نشأ من الجهل بحقيقة الإعتاق فيحتاج في الحل إلى معرفة معنى الرق فإن الرق في اللغة عبارة عن الضعف يقال رق الشيء إذا ضعف وخفي أثره ورق الثوب إذا ضعف من طول اللبس وثوب رقيق إذا كان ضعيفًا في النسيج والتركيب وفي الشرع عبارة عن ضعف حكمي في الآدمي والمراد من الضعف الحكمي حالة حكمية في المحل لأجل تلك الحالة يصح ثبوت الملك فيه كما في الحياة مع العلم فإن الحياة شرط مصحح لحلول العلم في المحل وأنه معنى وراء الملك إذ الملك معنى يثبت في المحل بناء على سبب يوجد في المحل من جهة العبد وقبول المحل معنى وراء الملك إذ الملك معنى يثبت في المحل بناء على سبب يوجد في المحل من جهة العبد وقبول المحل الملك ثابت قبل ذلك والرق عبارة عن ذلك السبب وهو الضعف فالرق غير الملك فالعتق لغة عبارة عن القوة يقال عتق الفرخ إذ أقوى وطار عن وكره والخمر إذا تقادم عهدها تسمى عتيقًا لزيادة قوتها والكعبة تسمى عتيقًا لقوتها الدافعة للتملك عن نفسها وفي الشرع عبارة عن القوة الحكمية يظهر أثرها في المالكية والغرض من المالكية تملك الأشياء بأسبابها وإذا ثبت هذا فتقول الإعتاق إذا وجد يزول به الملك والرق جميعًا فينظر أن تأثيره في زوال الملك قصدًا وابتداء أو يزول ضمنًا وتبعًا لزول الرق فعلى قول"ح"رحمه الله تأثير الإعتاق في إزالة الرق قصدًا وابتداء وفي إزالة الملك ضمنًا وتبعًا وجه قولهما ظاهر وهو أن الرق لما كان عبارة عن الضعف والإعتاق عبارة عن إثبات القوة بإثبات العتق وهو لا يتجزأ بإجماع بين أصحابنا وإثبات القوة يكون بإزالة الضعف الذي هو الرق فلو تجزأ الإعتاق يلزم نوع محال لأنه إذا عتق البعض ثبت العتق في ذلك البعض إذا الإعتاق فعل متعد لازمه العتق لا وجود للمتعدي بدون لازمه ككسر لا يتحقق بلا إنكسار فإذا ثبت العتق في ذلك البعض فلو لم يثبت في سائر الإبعاض لتجزأ العتق وقد بينا أنه لا يتجزأ.
أقول: لم يبينه غير أنه قال هو لا يتجزأ بإجماع بين أصحابنا وهذا دعوى بلا بيان واستدلال ولا يسمى مثله بيانًا والله أعلم ولأبي حنيفة رحمه الله أن الإعتاق تأثيره في إزالة الملك قصدًا وابتداء ويزول الرق ضمنًا وتبعًا إذ الرق إنما يثبت حقًا للشرع أو حقًا لعامة المسلمين لأنه إما جزاء كفره أو كفر أصوله حيث أبوا أن يكونوا عبيد الله فجعله الله عبيد عبيده مجازاة لهم فيكون حقًا للشرع أو أراد الله أن يكونوا معونة للمسلمين على إقامة التكاليف فيكون حقًا لهم فهو حق الشرع أو العامة فلو كان تأثير الإعتاق في إزالة الرق قصد فيبطل حق غيره ضمنًا وضرورة ألا ترى أن القن المشترك بينهما لو أعتق أحدهما نصيب شريكه قصدًا لم يجز ولو أعتق نصيب نفسه عتق نصيب الآخر وفسد على الاختلاف وملكية القن حق مولاه فتأثير الإعتاق في إزالة الملك قصدًا لأنه حق المولى والملك يقبل التجزأ زوالًا وثبوتًا فيتجزأ الإعتاق ويوضحه قوله عليه السلام من أعتق شقصًا من عبد كلف عتق بقيته والإنسان إنما يكلف تحصيل ما ليس بحاصل.
أقول: هذا البسط والتقرير لم يزل الاشتباه إذ حاصله أن العتق لا يتجزأ وفاقًا والإعتاق يتجزأ عند"ح"رحمه الله لا عندهما وهذا مشكل إذ يلزم أن يكون معتق البعض حرًا عند الكل إذ العتق لا يتجزأ وفاقًا فقام الاشتباه ولم يزل بما قرر مع أن قوله عليه السلام كاف عتق بقيته يدل على أن العتق يتجزأ وهذا يأبى ما قرره لأنه يتجزأ عند علمائنا والحاصل أن العتق لازم الإعتاق فينبغي أن يتحدا في التجزئ وعدمه فالحق عدم تجزئهما كما ذهبا إليه وأن يتجزآ جميعًا فأما أن يتجزأ أحدهما لا الآخر فمشكل لا ينحل بما قرر.