الإسلام التي هي أخصُّ خصائص هذا الدين القيِّم، كما يُمثِّل الاعتدال في فهم الكتاب والسُّنَّة وما نشأ حولهما من إبداعات علمية وفكرية، ثم هو يُرسِّخ في ذهنيَّة الطالب الأزهري وشُعوره منذُ نُعومةِ أظفاره في قاعات الدَّرس مبدأ الحوار وشرعية الاختلاف.
وقد تمثَّل كلُّ ذلك: في النظام الَّذي يفرضُ على الطالب الصغير المبتدئ أنْ يختار منذ الطفولة الباكرة مذهبًا من بين المذاهب الفقهية المتعدِّدة، وبحيث تُشكِّل المذاهب المختلفة من وجهات النظر في أذهان الطلاب قاعدةً ثابتة هي: أنَّ هناك أكثر من مذهب وأكثر من رأي، وأنَّ كلَّ هذه الآراء صحيحة، وأنَّه لا يُوجد مُتحدِّث رسمي واحد يحتكرُ الحديث باسم الإسلام.
هذا المنهج المفتوح نجَح في أنْ يُجنِّب الطلاب الانغلاق أو التخندق في مذهب واحد بعينه يراه صحيحًا ويرى غيره باطلًا.
وما يُقال عن المذاهب الفقهية يُقال عن غيرها من المذاهب العقدية؛ مذاهب أهل السُّنَّة والجماعة، بمختلف مَدارسهم: الأشعرية والماتريدية والسلفية والصوفية، أو لنَقُلْ: العقليُّون والنصيُّون والذوقيُّون؛ فكلُّ هؤلاء في المنهج التعليمي الأزهري مُعبِّرون عن فهمهم للإسلام، وأصحاب حقوق وإسهامات كُبرى في صِياغة التراث الإسلامي.
بل ويُدرِّس الأزهر بموضوعية بقيَّة المذاهب العقديَّة المخالفة؛ كالاعتزال والتشيُّع والمذهب الإباضي.
ولا يقتصرُ المنهج الأزهري على ترسيخ مبدأ الحوار وشرعية الاختلاف والاعتراف بالآخَر في دائرة المذاهب الفقهية والعقدية عند المسلمين؛ بل يعملُ على ترسيخ المبدأ ذاته في علاقة الإسلام بالأديان الأخرى، وفي مقدمتها الأديان السماوية.