الصفحة 101 من 2042

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا «1» .

لقد جعل اللّه للإنسان هذه الحياة الدنيا دارا أولى يحيا فيها و يعمرها، ليستعين بذلك على عبادة ربه طاعة و محبة و إخلاصا، ثم ابتلاه بالتكاليف (بالأوامر و النواهي) ليمحصه رحمة منه و فضلا، يقول ابن القيم- رحمه اللّه تعالى-: «ابتلاء الخلق بالأوامر و النواهي، رحمة لهم و حمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، و من رحمته: أن نغص عليهم الدنيا و كدرها لئلا يسكنوا إليها و لا يطمئنوا بها و يرغبوا عن النعيم المقيم في داره و جواره، فساقهم إليها بسياط الابتلاء و الامتحان، فمنعهم ليعطيهم، و ابتلاهم ليعافيهم، و أماتهم ليحييهم «2» ».

قد يظن بعض الناس أن ابتلاء الإنسان بالسراء هو إكرام له لا اختبار طاعة «3» ، و يرى الابتلاء بالضراء هو انتقام هوان أو إهانة، و قد نعى القرآن الكريم على هذا الصنف من الناس ذلك الاعتقاد الباطل و نفاه نفيا حاسما، يقول اللّه تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَ أَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ «4» . و قد صحح القرآن الكريم هذا الفهم السي ء في الآيات التي تتلو ذلك مباشرة، و أعاد توجيه الأفهام إلى الممارسات الخاطئة الناتجة عن هذا الفهم السي ء لحكمة الابتلاء، و هذه الممارسة الخاطئة هي عدم إكرام اليتيم و عدم الحض على إطعام المسكين و الاستئثار بالمال و لمه و جمعه دون الإنفاق كما أمر اللّه، فقال تعالى: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَ لا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ* وَ تَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا* وَ تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا «5» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت