فهرس الكتاب
إذا كانت علاقة الإنسان بخالقه هي العبادة مصداقا لقوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «1» ، و علاقة الإنسان بالكون علاقة تسخير كما في قوله تعالى: وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ* وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ «2» ، فإن علاقة الإنسان بالحياة هي علاقة ابتلاء و تمحيص، مصداقا لقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ «3» . و قد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: أن اللّه- عز و جل- خلق الموت للبعث و الجزاء و خلق الحياة للابتلاء «4» . أما موضوع هذا الابتلاء فهو حسن العمل الذي لخصه الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و سلّم، في تفسيره للآية بأنه: الورع عن محارم اللّه و الإسراع في طاعته «5» . و تدخل فيه مكارم الأخلاق بأوسع معانيها [انظر الكشاف التوضيحي من (1- 4) و (4 أ) و (4 ب) ] .
بين الابتلاء و حسن الخلق:
إن هذا الابتلاء الذي يعني الاختبار و التمحيص هو المحك الأساسي الذي يجسد الصراع الأزلي بين قوى الخير و الشر في النفس الإنسانية، فالنفس المطمئنة ألهمت التقوى و الطاعة، و النفس الأمارة بالسوء ألهمت الشر و الفجور، ذلك أن النفس المطمئنة تأمر بالخير و تحض عليه، و النفس الأمارة بالسوء تأمر بالشر و تحض عليه، يساعدها في ذلك شيطان مريد يستغل ضعف الإنسان و يزين له فتن الشبهات و الشهوات، و بين الاثنين توجد النفس اللوامة التي تشكل صمام الوقاية و تقوم بعملية الموازنة و التصحيح، إذ تلوم على فعل المعاصي من ناحية، و على عدم الاستكثار من فعل الخيرات من ناحية ثانية. [انظر الكشاف التوضيحي من (10) إلى (13 أ) ، و كذلك انظر خريطة الابتلاء و النفس الإنسانية بعد صفحة (ع ب) ] .