الصفحة 1183 من 2042

و من أحبّ الوقوف على معنى المقام المحمود، فليقف على ما ذكر سلف الأمّة من الصّحابة و التّابعين فيه في تفسير هذه السّورة كتفسير ابن أبي حاتم، و ابن جرير، و عبد بن حميد، و غيرها من تفاسير السّلف.

و إذا قام في ذلك المقام، حمده حينئذ أهل الموقف كلّهم مسلمهم و كافرهم أوّلهم و آخرهم، و هو محمود صلّى اللّه عليه و سلّم بما ملأ الأرض من الهدى و الإيمان و العلم النّافع، و العمل الصّالح، و فتح به القلوب، و كشف به الظّلمة عن أهل الأرض، و استنقذهم من أسر الشّيطان، و من الشّرك باللّه و الكفر به و الجهل به حتّى نال به أتباعه شرف الدّنيا و الآخرة، فإنّ رسالته و افت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها، فإنّهم كانوا بين عبّاد أوثان، و عبّاد صلبان، و عبّاد نيران، و عبّاد الكواكب، و مغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من اللّه، و حيران لا يعرف ربّا يعبده، و لا بماذا يعبده، و النّاس يأكل بعضهم بعضا، من استحسن شيئا دعا إليه، و قاتل من خالفه، و ليس في الأرض موضع قدم مشرق بنور الرّسالة، و قد نظر اللّه سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم و عجمهم إلّا بقايا على آثار من دين صحيح، فأغاث اللّه بها البلاد و العباد، و كشف به تلك الظّلم، و أحيا به الخليقة بعد الموت، فهدى به من الضّلالة، و علّم به من الجهالة، و كثّر به بعد القلّة، و أعزّ به بعد الذّلّة، و أغنى به بعد العيلة، و فتح به أعينا عميا، و آذانا صمّا، و قلوبا غلفا، فعرف النّاس ربّهم و معبودهم، غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، و أبدأ و أعاد، و اختصر و أطنب في ذكر أسمائه و صفاته و أفعاله حتّى تجلّت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين، و انجابت سحائب الشّكّ و الرّيب عنها، كما ينجاب السّحاب عن القمر ليلة إبداره، و لم يدع لأمّته حاجة في هذا التّعريف لا إلى من قبله، و لا إلى من بعده، بل كفاهم و شفاهم و أغناهم عن كلّ من تكلّم في هذا الباب أَ وَ لَمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت