فهرس الكتاب
فالأب الثّالث أبو الآباء، و عمود العالم، و إمام الحنفاء الّذي اتّخذه اللّه سبحانه و تعالى خليلا، و جعل النّبوّة و الكتاب في ذرّيّته، ذلك خليل الرّحمن و شيخ الأنبياء كما سمّاه النّبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم بذلك، فإنّه لمّا دخل الكعبة، وجد المشركين قد صوّروا فيها صورته و صورة إسماعيل ابنه و هما يستقسمان بالأزلام، فقال: «قاتلهم اللّه، لقد علموا أنّ شيخنا لم يكن يستقسم بالأزلام» «2» . و لم يأمر اللّه سبحانه و تعالى رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم أن يتّبع ملّة أحد من الأنبياء غيره فقال تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «3» . و أمر أمّته بذلك فقال تعالى: هُوَ اجْتَباكُمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ «4» . و «ملّة» منصوب على إضمار فعل، أي: اتّبعوه و الزموا ملّة أبيكم. و دلّ على المحذوف ما تقدّم من قوله: وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ «5» .
و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يوصي أصحابه إذا أصبحوا و إذا أمسوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام و كلمة الإخلاص، و دين نبيّنا محمّد و ملّة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما و ما كان من المشركين» «6» .
فتأمّل هذه الألفاظ كيف جعل الفطرة للإسلام، فإنّه فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها، و كلمة الإخلاص: