و الشّرّ ليس إليك» «1» . و إنّما يقع الشّرّ في مفعولاته و مخلوقاته، لا في فعله سبحانه، فإذا كان العبد و غيره مباركا لكثرة خيره و منافعه و اتّصال أسباب الخير فيه، و حصول ما ينتفع به النّاس منه، فاللّه تبارك و تعالى أحقّ أن يكون متباركا، و هذا ثناء يشعر بالعظمة، و الرّفعة، و السّعة، كما يقال: تعاظم و تعالى و نحوه، فهو دليل على عظمته، و كثرة خيره، و دوامه، و اجتماع صفات الكمال فيه، و أنّ كلّ نفع في العالم كان و يكون، فمن نفعه سبحانه و إحسانه.
و يدلّ هذا الفعل أيضا في حقّه على العظمة و الجلال و علوّ الشّأن، و لهذا إنّما يذكره غالبا مفتتحا به كلامه و عظمته و كبرياءه .. قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ «2» . و قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا «3» .
فقد ذكر تباركه سبحانه في المواضع الّتي أثنى فيها على نفسه بالجلال و العظمة، و الأفعال الدّالّة على ربوبيّته و إلهيّته و حكمته و سائر صفات كماله، من إنزال الفرقان، و خلق العالمين، و انفراده بالملك و كمال القدرة.
و لهذا قال أبو صالح عن ابن عبّاس- رضي اللّه عنهما-: تبارك بمعنى تعالى.
و قال أبو عبّاس: تبارك: ارتفع، و المبارك: المرتفع.
و قال ابن الأنباريّ: تبارك بمعنى تقدّس، و قال الحسن: تبارك: تجي ء البركة من قبله، و قال الضّحّاك:
تبارك: تعظّم، و قال الخليل بن أحمد: تمجّد، و قال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، و بارك من شاء من خلقه.
و هذا أحسن الأقوال، فتباركه سبحانه وصف ذات له، وصفة فعل، كما قال الحسين بن الفضل.