فهرس الكتاب
قيل لبعض العارفين: أيسجد القلب؟ قال: نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، فهذا سجود القلب «1» .
فقلب لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه، و إذا سجد القلب للّه- هذه السجدة العظمى- سجدت معه جميع الجوارح، و عنا الوجه حينئذ للحي القيوم، و خشع الصوت و الجوارح كلها، و ذل العبد و خضع و استكان، و وضع خده على عتبة العبودية، ناظرا بقلبه إلى ربه و وليه نظر الذليل إلى العزيز الرحيم، فلا يرى إلّا متملقا لربه، خاضعا له، ذليلا مستعطفا له، يسأله عطفه و رحمته «2» ، «3» .
اليقظة أول مفاتيح الخير و هي (منشأ الطمأنينة) :
إذا اطمأنت النفس من الشك إلى اليقين، و من الجهل إلى العلم، و من الغفلة إلى الذكر، و من الخيانة إلى التوبة، و من الرياء إلى الإخلاص، و من الكذب إلى الصدق، و من العجز إلى الكيس، و من صولة العجب إلى ذلة الإخبات و من التيه إلى التواضع، و من الفتور إلى العمل فقد باشرت روح الطمأنينة «4» ، و أصل هذا كله و منشؤه من اليقظة فهي أول مفاتيح الخير لأن الغافل عن الاستعداد للقاء ربه و التزود لمعاده بمنزلة النائم بل أسوأ حالا منه؟ فإن العاقل يعلم وعد اللّه و وعيده و ما تقتضيه أوامر الرب تعالى و نواهيه و أحكامه من الحقوق، لكن يحجبه عن حقيقة الإدراك و يقعده عن الاستدراك سنة القلب «5» . و هي غفلته التي رقد فيها فطال رقوده، و ركد و أخلد إلى نوازع الشهوات فاشتد إخلاده و ركوده، و انغمس في غمار الشهوات، و استولت عليه العادات و مخالطة أهل البطالات، و رضي بالتشبه (بأهل إضاعة الأوقات) ، فهو في رقاده مع النائمين، و في سكرته مع المخمورين، فمتى انكشف عن قلبه سنة هذه الغفلة بزجرة من زواجر الحق في قلبه استجاب فيها لواعظ اللّه في قلب عبده المؤمن، أو بهمّة عالية أثارها معول الفكر في المحل القابل فضرب بمعول فكره و كبر تكبيرة أضاءت له منها قصور الجنة فقال: