الصفحة 127 من 2042

ثم يلحظ في نور تلك اليقظة وفور نعمة ربه عليه من حين استقر في الرحم إلى وقته و هو يتقلّب فيها ظاهرا و باطنا ليلا و نهارا و يقظة و مناما سرا و علانية فلو اجتهد في إحصاء أنواعها لما قدر، و يكفي أن أدناها نعمة النفس و للّه عليه في كل يوم أربعة و عشرون ألف نعمة فما ظنك بغيرها.

ثم يرى في ضوء ذلك النور أنه آيس من حصرها و إحصائها عاجز عن أداء حقها و أن المنعم بها إن طالبه بحقوقها استوعب جميع أعماله حق نعمة واحدة منها فيتيقن حينئذ أنه لا مطمع له في النجاة إلّا بعفو اللّه و رحمته و فضله.

ثم يرى في ضوء تلك اليقظة أنه لو عمل أعمال الثقلين من البر لاحتقرها بالنسبة إلى جنب عظمة الرب تعالى و ما يستحقه بجلال وجهه و عظيم سلطانه، هذا لو كانت أعماله منه فكيف و هي مجرّد فضل اللّه و منّته و إحسانه حيث يسّرها له و أعانه عليها و هيأه لها و شاءها منه، و لو لم يفعل ذلك لم يكن له سبيل إليها، فحينئذ لا يرى أعماله منه، و أن اللّه سبحانه لن يقبل عملا يراه صاحبه من نفسه حتى يرى عين توفيق اللّه له و فضله عليه و أنه من اللّه لا من نفسه، و أنه ليس له من نفسه إلّا الشر و أسبابه، و ما به من نعمة فمن اللّه وحده، صدقة تصدق بها عليه و فضلا منه ساقه إليه من غير أن يستحقه بسبب و يسأله بوسيلة، فيرى ربه و وليه و معبوده أهلا لكل خير و يرى نفسه أهلا لكل شر، و هذا أساس جميع الأعمال الصالحة الظاهرة و الباطنة، و هو الذي يرفعها و يجعلها في ديوان أصحاب اليمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت