فهرس الكتاب
و أما النفس اللوامة و هي التي أقسم بها سبحانه في قوله وَ لا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ فاختلف فيها فقالت طائفة: هي التي لا تثبت على حال واحدة، أخذوا اللفظة من التلوّم و هو التردد فهي كثيرة التقلب و التلون و هي من أعظم آيات اللّه فإنها مخلوق من مخلوقاته تتقلب و تتلون في الساعة الواحدة فضلا عن اليوم و الشهر و العام و العمر ألوانا متلونة فتذكر و تغفل، و تقبل و تعرض، و تحب و تبغض، و تفرح و تحزن، و ترضى و تغضب، و تطيع و تعصى، و تتقي و تفجر، إلى أضعاف أضعاف ذلك من حالاتها و تلونها فهي تتلون كل وقت ألوانا كثيرة فهذا قول.
و قالت طائفة: اللفظة مأخوذة من اللّوم ثم اختلفوا فقالت فرقة هي نفس المؤمن و هذا من صفاتها المجردة، قال الحسن البصري: إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه دائما يقول ما أردت بهذا؟ لم فعلت هذا؟ كان غير هذا أولى أو نحو هذا الكلام.
و قال غيره: هي نفس المؤمن توقعه في الذنب ثم تلومه عليه فهذا اللوم من الإيمان بخلاف الشقي فإنه لا يلوم نفسه على ذنب بل يلومها و تلومه على فواته.
و قالت طائفة بل هذا اللوم للنوعين فإن كل أحد يلوم نفسه برا كان أو فاجرا فالسعيد يلومها على ارتكاب معصية اللّه و ترك طاعته و الشقي لا يلومها إلّا على فوات حظها و هواها.
و قالت فرقة أخرى هذا اللوم يوم القيامة فإن كل أحد يلوم نفسه إن كان مسيئا على إساءته و إن كان محسنا على تقصيره.
و هذه الأقوال كلها حق، و لا تنافى بينها، فإن النفس موصوفة بهذا كله و باعتباره سميت لوامة، و لكن اللوامة نوعان: لوامة ملومة، و هي النفس الجاهلة الظالمة التي يلومها اللّه و ملائكته.