الصفحة 140 من 2042

الخير فالرفق شي ء و التواني و الكسل شي ء فإن المتواني يتثاقل عن مصلحته بعد إمكانها فيتقاعد عنها، و الرفيق يتلطف في تحصيلها بحسب الإمكان مع المطاوعة. و كذلك المداراة صفة مدح و المداهنة صفة ذم، و الفرق بينهما أن المداري يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، و المداهن يتلطف به ليقره على باطله و يتركه على هواه فالمداراة لأهل الإيمان و المداهنة لأهل النفاق، و قد ضرب لذلك مثل مطابق و هو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطها (شقها) برفق و سهولة، حتى أخرج ما فيها، ثم وضع على مكانها من الدواء و المرهم ما يمنع فساد الجرح و يقطع مادته، ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها ثم يشد عليها الرباط، و لم يزل يتابع ذلك حتى صلحت، و المداهن قال لصاحبها لا بأس عليك منها، و هذه لا شي ء فاسترها عن العيوب بخرقة ثم اله عنها، فلا تزال مدتها تقوى و تستحكم حتى عظم فسادها، و هذا المثل أيضا مطابق كل المطابقة لحال النفس الأمارة مع المطمئنة فتأمله، فإذا كانت هذه حال قرحة بقدر الحمصة، فكيف بسقم هاج من نفس أمارة بالسوء، هي معدن الشهوات و مأوى كل فسق و قد قارنها شيطان في غاية المكر و الخداع يعدها و يمنيها و يسحرها بجميع أنواع السحر حتى يخيل إليها النافع ضارا و الضار نافعا و الحسن قبيحا و القبيح جميلا، و هذا لعمرو اللّه من أعظم أنواع السحر و لهذا يقول سبحانه فَأَنَّى تُسْحَرُونَ و الذي نسبوا إليه الرسل من كونهم مسحورين هو الذي أصابهم بعينه، و هم أهله لا رسل اللّه صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين، كما أنهم نسبوهم إلى الضلال و الفساد في الأرض و الجنون و السفه و ما استعاذت الأنبياء و الرسل و أمراء الأمم بالاستعاذة من شر النفس الأمّارة و صاحبها و قرينها الشيطان إلّا لأنهما أصل كل شر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت