فهرس الكتاب
وقاعدته و منبعه و هما متساعدان عليه متعاونان «1» .
فضيلة الاستعاذة من شر النفس الأمارة و قرينها:
قال اللّه تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ و قال وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ و قال وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ و قال تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ... قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ... فهذا استعاذة من قرينها و صاحبها و بئس القرين و الصاحب، فأمر اللّه سبحانه نبيه و أتباعه بالاستعاذة بربوبيته التامة الكاملة من هاتين الخلتين العظيم شأنهما في الشر و الفساد، و القلب بين هذين العدوين، لا يزال شرهما يطرقه و ينتابه، و أول ما يدب فيه السقم من النفس الأمّارة من الشهوة و ما يتبعها من الحب و الحرص و الطلب و الغضب و ما يتبعه من الكبر و الحسد و الظلم و التسلط يعلم الطبيب الغاش الخائن بمرضه فيعوده و يصف له أنواع للسموم و المؤذيات و يخيل إليه بسحره أن شفاءه فيها، و يتفق ضعف القلب بالمرض و قوة النفس الأمارة و الشيطان و يتتابع إمدادهما، و يزينان له أن هذا نقد حاضر و لذة عاجلة، و الداعي إليه يدعو من كل ناحية، و الهوى ينفذ، و الشهوة تهون، و التأسي بالأكثر و التشبه بهم و الرضا بأن يصيبه ما أصابهم، فكيف يستجيب مع هذه القواطع و أضعافها لداعي الإيمان و منادي الجنة إلّا من أمده اللّه بإمداد التوفيق و أيده برحمته و تولى حفظه و حمايته و فتح بصيرة قلبه فرأى سرعة انقطاع الدنيا و زوالها و تقلبها بأهلها و فعلها بهم و أنها في الحياة الدائمة كغمس أصبع في البحر بالنسبة إليه.
(1) الروح لابن القيم، ص 208، 209 (بتصرف و اختصار يسير) .