فهرس الكتاب
و أمن، و صحة و مرض، و قلة و كثرة، إلا بمشيئته سبحانه و تعالى. هو سبحانه خالق الإنسان و مدبره، فللإنسان عزيمة و إرادة، و له قدرة و عمل، و الذي أودع فيه تلك العزيمة و خلق فيه القدرة هو اللّه عز و جل و لو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته، و لو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل.
إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به، لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي اللّه أو التهاون بما أوجب اللّه، وجه ذلك أنّ اللّه أعطاك عقلا تتمكن به من الإرادة، و أعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سلب عقل الإنسان لم يعاقب على معصية، و لا ترك واجب، و إذا سلب قدرته على الواجب لم يؤاخذ بتركه.
إن الاحتجاج بالقدر على المعاصي أو ترك الواجبات حجة داحضة باطلة أبطلها اللّه في كتابه و يبطلها العقل و الواقع «1» .
أبطلها اللّه في كتابه فقال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ «2» .
ب- الابتلاء جسر يوصل إلى أكمل الغايات:
يقول ابن القيم- رحمه اللّه-: إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده و صفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجلّ الغايات و أكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء و الامتحان، و كان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، و كان ذلك الابتلاء و الامتحان عين المنهج في حقهم و الكرامة، فصورته صورة ابتلاء و امتحان و باطنه فيه الرحمة و النعمة، فكم للّه من نعمة جسيمة و منة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء و الامتحان، فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام و ما آلت إليه محنته من الاصطفاء و الاجتباء و التوبة و الهداية و رفعة المنزلة، و لو لا تلك المحنة التي جرت عليه و هي إخراجه من الجنة و توابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه «3» .
ج- الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض: