فهرس الكتاب
قيل للشافعي- رحمه اللّه- يا أبا عبد اللّه، أيهما أفضل للرجل أن يمكّن أو يبتلى؟ (أي بالضراء) ، فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى، فإنّ اللّه تعالى ابتلى نوحا و إبراهيم و موسى و عيسى و محمدا- صلوات اللّه عليهم أجمعين- فلما صبروا (على الابتلاء) مكّنهم «4» .
د- تمحيص المؤمن و تخليصه من الشوائب المنافية للإيمان:
إن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم أو في أرزاقهم، أو غير ذلك مما يتصل بهم مما يسرهم الكمال فيه و يؤلمهم النقص منه، تكمن حكمتها في التمحيص الناتج عن هذا الابتلاء و الامتحان، يقول اللّه تبارك و تعالى:
(1) الضياء اللامع للشيخ محمد بن صالح عثيمين ص 349.
(2) النساء/ 165.
(3) مفتاح دار السعادة 1/ 299.
(4) الفوائد لابن القيم ص 283.
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (ص) ،ج 1،ص:17
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ* أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «1» .
فالبلايا و المحن محك يكشف عما في القلوب و تظهر به مكنونات الصدور، ينتفي بها الزيف و الرياء، و تنكشف الحقيقة بكل جلاء .. تطهير لا يبقى معه زيف و لا دخل، و تصحيح لا يبقى فيه غبش و لا خلل، إن الشدائد و النوازل تستجيش مكنون القوى و كوامن الطاقات. و تتفتح بها في القلوب منافذ ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا حين تعرض للابتلاء، و عند الحوادث يتميز الغبش من الصفاء و الهلع من الصبر، و الثقة من القنوط «2» .