فهرس الكتاب
بل يلحق بالمجتمع أجمع إلا ما شاء اللّه، فلا جرم أن جرّمه، جاء في السّنة جلد شارب الخمر بما يزجره كأربعين جلدة أو ثمانين إن لم ينزجر بالأربعين، بل ثبت في السنة الأمر بقتله إذا أدمن ذلك و لم ينزجر بتكرار الجلد؛ ففي هذه العقوبات و الوعيد الشديد عليها ما يكفي في الكفّ عنها و ما يحفظ للعقول سلامتها و يبقي بذلك على سلامة التفكير؛ و يكفل للأمة أمنها و رخاءها و سلامتها من الأضرار و الشرور الوخيمة و الإبقاء على عقول البشر لتصرف تفكيرها فيما يعود عليها و على غيرها بكامل الخير و المصلحة و ذلك أكبر مثال على كمال هذه الشريعة و تضمنها لمصالح العباد، و هكذا أيضا شرع عقوبة السارق بقوله تعالى وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «3» ذلك أن السارق يهتك الأستار و الحروز و يكسر الأقفال و يتسلق الحيطان، و يصعب التحصن و التحرز من شره و ضرره، فكانت عقوبته قطع يده، تلك اليد الآثمة المتعدية الظالمة حيث إن جنايته تتوقف على العمل باليد غالبا فكان بقاء هذا العضو المعتدي مما ينشر الوباء و يخل بالأمن و الاطمئنان على الأموال المحترمة التي لها وقع في النفوس فأخذها عدوانا و ظلما مما يوقع الخوف و القلق في القلوب؛ فشرع إزالة هذا العضو الذي ينشر الوباء و المرض العضال بين الناس، و كما اشتمل الشرع على هذه العقوبات و الزواجر التي يحصل بتطبيقها كمال الأمن و رخاء العيش، فقد شرع عقوبات أخرى غير مقدرة بعدد أو نوع تسمى تعزيرا و تأديبا يعاقب بها من اقترف ذنبا أو ارتكب كبيرة لا حد فيها، مما يتعلق بالأديان أو الأبدان أو
(1) سورة النور: آية 4.
(2) سورة النور: آية 23.
(3) سورة المائدة: آية 38.
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (ص) ،المقدمة،ص:47