الصفحة 63 من 2042

الأموال، و تتفاوت تلك العقوبات بتفاوت الجرائم و المجرمين، و كل هذه العقوبات- مقدرة أو غير مقدرة- تتضح فيها حكمة الشرع الشريف و يتضح لكل ذي قلب سليم أنه دين سماوي جاء بتحصيل المصالح و تكميلها و إلغاء المفاسد و تقليلها. كما أنه أيضا تعرض لشرح الآداب و الأخلاق الرفيعة و حثّ على الاتصاف بالسمات الشريفة التى فطرت القلوب على استحسانها و حب من تخلق بها و النفور من أضدادها و مقت أهلها و بغضهم و البعد عنهم، فإن اللّه تعالى فطر الخلق على استحسان السمات الطيبة التي وجدت أو بعضها قبل الإسلام كأغلب خصال الفطرة التي ذكرها النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بقوله: «عشر من الفطرة: قص الشارب، و إعفاء اللحية، و السواك، و استنشاق الماء، و قص الأظفار، و غسل البراجم، و نتف الإبط، و حلق العانة و انتقاص الماء ... إلخ» «1» و في الباب أحاديث كثيرة بهذا المعنى و هذه الخصال يستسيغها العقل السليم و يشهد بملاءمتها له لذلك يحافظ العقلاء على تطبيقها، و إنما يخالفها من انتكست فطرته فاستقبح الحسن و استلذ القبيح فلا عبرة بهذا الضرب من الناس و لو كثروا أو زعموا المعرفة و الإدراك، فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور، و بالجملة فإن احتواء الشريعة الإسلامية على هذه الخصال يفيد كمالها و انتظامها لكل ما يستحسن عقلا و شرعا و لكل ما تتوقف عليه الحياة الطيبة في هذه الدار، كما أن الشريعة لم تتوقف على تبيين العبادات و القربات كما قد يظن ذلك الكثير من الناس؛ بل تعرضت لإيضاح الأمور العادية و أوضحت الصفة الكاملة لاستعمالها، ففي باب الأكل تعرض الشرع لبيان الهيئة المحمودة في ذلك؛ فنهي عن الاتكاء حال الأكل كفعل من يريد الامتلاء من الطعام، و شرع الأكل باليمين تفاؤلا باليمن و البركة، و بالغ في النهي عن الأكل بالشمال تشبها بالشيطان و أعوانه، كما جاء بالأكل بثلاثة أصابع إلا لضرورة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت