فهرس الكتاب
فإن الأكل باليد كلها قد يوجب ترادف الطعام على مجراه فربما أفسده و سبب الموت فجأة، و ذلك من باب رعاية نعم اللّه و إحسان جوارها، و هكذا شرع أن يأكل كل فرد مما يليه و نهى عن الأكل من وسط الصحفة، و علل ذلك بأن البركة تنزل وسط الطعام، كما أمر بالاجتماع على الطعام و ذكر اسم اللّه عليه و حمده بعد الشبع، و نحو ذلك مما فيه تذكير بعظيم منة اللّه في تيسيره لأسباب ذلك، و مما يسبب مع الصدق حلول البركة فيه حالا و مآلا، و هكذا جاء بآداب الشّرب المتضمنة لجمّ فوائده و المستحسنة عقلا و شرعا، فنهى عن التنفس في الشراب و النفخ في الطعام كراهة أن يصحبه شي ء من الريق فيقذره على غيره، و أمر بالتنفس ثلاثا خارج الإناء، و بمص الشرب دون العب بقوة، و علل ذلك بأنه أهنأ و أبرأ و تعرض للأواني التي لا يباح استعمالها في الأكل و الشرب كآنية الذهب و الفضة و توعد متعاطيها أشد الوعيد لما فيها من الفخر و الخيلاء و الإسراف و كسر قلوب الفقراء، و هكذا شرع للأمة آداب التخلي «2» و إن كانت مما يحتشم من ذكره، و من الأشياء التي تلزم الإنسان بحكم العادة و لكن لها آداب و أحكام تدخل بها في عموم الشريعة الإسلامية، و كذا آداب اللبس و الخلع فجاء باستحباب لبس البياض من الثياب و أباح غيرها إلا ما استثنى، و أحب لباس القمص و لبس غيره من الأزر و الأردية و السراويلات و نحوها، و نهى عن الخيلاء و الإسبال في الثياب و بالغ في الوعيد على أهل الخيلاء و الترفع على الناس، و أحب أن يرى اللّه آثار نعمته على عبده في اللباس و نحوه، و نهى عن المشي في نعل واحدة، و حث على التيامن في لباس الثوب و النعل و نحو ذلك و حرم أنواعا من اللباس كالحرير لما فيها من الإسراف و التبذير، و تعجل الطيبات في
(1) أخرجه مسلم ربك (261) في الطهارة: باب خصال الفطرة عن عائشة رضي اللّه عنها.