قال واعظنا: «يتمني أن يقدم جميع ما كان يملك من أموال وأملاك مقابل ساعة يعود فيها إلي الدنيا ليتزود فيها، ولا يهمه أن يعيش تلك الساعة فقيرًا معدمًا» .
تقدم واعظنا إلي مسكن آخر وأشار إليه «تعالا هنا وانظرا إلي هذا القبر» .
فتقدمنا إليه، فقال لنا: «أتعلمان من يسكن هنا؟» .
قلنا «لا» .
قال واعظنا: «إنه مسؤول كبير وصاحب منصب عال، كان يأمر ولا أحد يجرؤ على رد أمره، وكان ينهي ولا أحد يجرؤ على ارتكاب ما نهي عنه، كان الناس تحت طوعه وسلطانه، وكان طلاب الشفاعات لا ينقطعون عنه لحظة واحدة، حتى طلبه ملك الموت فلم ينفعه منصبه ولا أمره ونهيه، فقد انتشله الموت من مكانه ليحل فيه غيره ويحل هو هنا ساكنًا جديدًا» .
أمسك واعظنا بيدي ويد صاحبي وانطلق بنا إلي قبر آخر، فلما وقفنا بجواره قال: «أتعرفان صاحبه؟» قلنا: «ومَنْ صاحبه؟» .
قال واعظنا: «صاحب هذا القبر طبيب كبير وجراح نطاسي، كم أنقذ الله على يديه من المرضي بعد أن أشرفوا على الهلاك، فلما دارت الدائرة عليه وأشرف هو على الموت لم ينتفع بطبه ولم يستطع أن يؤخر الموت عن نفسه ساعة واحدة» .
توقفت متأملًا حال هذا الطبيب فلم يرعني إلا صوت واعظنا وقد وقف على قبر آخر: «تعالا هنا وانظرا إلي هذا القبر الكبير» .