تقدمنا إليه وتعجبنا من القبر الكبير فقلنا لواعظنا: «ما شأن هذا القبر؟» .
قال واعظنا: «إنه لرجل رياضي فارع الطول ممتلئ الجسم مفتول العضلات، كان في صباه لا يغلبه أحد في العراك والمصارعة، فالكل يخافه، وازداد عنفوانًا وقوة بتوجهه العسكري وإتقانه للسلاح فخافته الأعداء ووضعوا له مئات الحسابات، فهو طوال تاريخه البطولي لم يسجل سوي هزيمة واحدة، وذلك عندما تعارك مع الموت فطرحه الموت من أول ضربة ولم تغن عنه فتوته وقوته شيئًا، ولم يهنأ الدود بمأدبة مثله منذ زمن طويل» .
تقدم واعظنا قليلًا حتى أشرف على أحد القبور وقال: «تعالا هنا وانظرا إلي هذا القبر فإن ساكنة مهندس معماري، كم شهدت له المحافل بالإبداعات الهندسية في تصميم المنازل والمباني، حتى كانت تصميماته مثالًا يحتذي وعلم يشار إليه بالبنان، فلقد كان يبذل الوقت والجهد الكبير في التصميمات التي يعدها للناس بينما لم يبذل الحفار إلا وقتًا وجهدًا يسيرًا في شق لحده في مسكنه هذا» .
لم يدع لنا واعظنا وقتًا لنتأمل بعض الشيء في حال المهندس، بل جذب أيدينا وتقدم نحو قبر آخر، توقف واعظنا حيال القبر ثم جثا على ركبتيه وأحنى برأسه جهة القبر واضعًا أذنه على القبر كأنه يصغي إلي شيء ما، ثم خاطبنا وهو على هيئته تلك: «تعالا واستمعا» فجلسنا على هيئة واعظنا وبعد أن أصغينا طويلًا لم نستمع إلي شيء فازددنا عجبًا، ثم اعتدل واعظنا فاعتدلنا معه. قال صاحبي: «إننا لم نسمع شيئًا» قال واعظنا: «وأنا كذلك» فنظرت نحو صاحبي بتعجب