فبادلني التعجب، قال واعظنا: «هنا يسكن أديب ألمعي نال السبق في النثر والشعر، لسانه لا يبارى ولا يجارى، كان إذا تكلم سحر الأسماع بحديثه حتى تذهل عن نفسها وعمن حولها لما لحديثه حتى تذهل عن نفسها وعمن حولها لما لحديثه من الحلاوة والطلاوة، كانت حاجته تقضي بين يدي لسانه ولا يرد له رجاء، كم ترصدت للسانه أعداؤه رجاء أن يظفروا منه بسقطة فعادوا مخذولين، فلما نزل به الأجل المحتوم أخرس منه اللسان فكأن لم يكن ربيب البيان» .
سكت واعظنا فأردت أن أستزيده من أخبار الأديب فلم يمهلني بل انطلق إلي قبر آخر، فلما وقف عليه أشار إلينا أن هلموا. فأسرعنا إليه فلما وقفنا بجواره، أكثر واعظنا من ترديد بصره بين القبر وبيننا - أنا وصاحبي - فلما وجلت قلوبنا من نظراته تلك قلت له: «ما شأننا وشأن صاحب هذا القبر؟» .
قال واعظنا: «إن بينكما وبينه قرابة» .
قلت لواعظنا: «لكنني لا أذكر قريبًا لي دفن هنا» .
قال واعظنا «ليست القرابة التي بينكما وبينه بقرابة نسب» .
تعجبت من قوله ثم نظرت إلي صاحبي فرأيت ما لحقني من العجب قد لحق به.
قال واعظنا: «لا تعجبا فالقرابة بينكما وبينه ليست بقرابة نسب وإنما هي قرابة عمر، فإن ساكن هذا القبر شاب مثلكما بل هو في عمر أقل منكما، فهو لتوه تخرج من الثانوية بمعدل ممتاز، لقد رسم الخطوط العريضة لمستقبله وتعلق بحبال الأماني والآمال العريضة التي لا