الصفحة 23 من 41

للمبتدأ، أو تأكيد له، وبيان إرادة الحقيقة المفهومة منه، لا مجازه ولا استعارته، وهذا كما تقول: جهاد المؤمن حين يجاهد، وصلاته حين يصلي، يجزيه الله تعالى بها يوم القيامة، ويرفع بها درجته يوم القيامة، وهذا قريب من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» [1] .

وليس المراد تقييد نفي الإيمان المطلق عنه حالة مباشرة تلك الأفعال فقط، بحيث إذا كملت مباشرته وانقطع فعله عاد إليه الإِيمان، بل هذا النفي مستمر إلى حين التوبة، وإلا فما دام مصرًا يباشر الفعل، فالنفي لا حق به، ولا يزول عنه اسم الذم والأحكام المترتبة على المباشرة، إلا بالتوبة النصوح، والله سبحانه وتعالى أعلم.

قلت: وفصل النزاع في المسألة أن يقال: حيث أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن ذلك الطيب يكون يوم القيامة، فلأنه الوقت الذي يظهر فيه ثواب الأعمال وموجباتها من الخير والشر، فيظهر للخلق طيب ذلك الخلوف على المسك، كما يظهر فيه رائحة دم المكلوم في سبيله كرائحة المسك، وكما تظهر فيه السرائر وتبدو على الوجوه وتصيره علانية ويظهر فيه قبح رائحة دم الكفار وسواد وجوههم، وحيث أخبر بأن ذلك حين يخلف وحين يمسون، فلأنه وقت ظهور أثر العبادة، ويكون حينئذ طيبها زائدًا على ريح المسك عند الله تعالى وعند ملائكته، وإن كانت تلك الرائحة كريهة للعباد، فرب مكروه عند الناس، محبوب عند الله تعالى، وبالعكس، فإن الناس يكرهونه لمنافرته طباعهم، والله تعالى يستطيبه ويحبه لموافقته أمره ورضاه ومحبته، فيكون

(1) رواه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت