وقوله: «يا ليتني مكانه» أي كنت ميتًا. قال ابن بطال رحمه الله: تغبط أهل القبور، وتمني الموت عند ظهور الفتن إنما هو خوف ذهاب الدين بغلبة الباطل وأهله، وظهور المعاصي والمنكر. انتهى.
قال ابن حجر: وليس هذا عامًا في حق كل أحد، وإنما هو خاص بأهل الخير، وأما غيرهم فقد يكون لما يقع لأحدهم من المصيبة في نفسه أو أهله أو دنياه، وإن لم يكن في ذلك شيء يتعلق بدينه. وإنما سبب ذلك وقوع البلاء والشدة حتى يكون الموت الذي هو أعظم من المصائب أهون على المرء، فيتمنى أهون المصيبتين في اعتقاده.
وقال الحافظ القرطبي: كأن في الحديث إشارة إلى أن الفتن والمشقة البالغة ستقع حتى يخف أمر الدين ويقل الاعتناء بأمره ولا يبقى لأحد اعتناء إلا بأمر دنياه ومعاش نفسه وما يتعلق به، ومن ثم عظم قدر العبادة أيام الفتنة كما أخرج مسلم من حديث معقل بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ» .
وقد أخرج الحاكم من طريق أبي سلمة قال: عدت أبا هريرة، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدكم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه. وفي كتاب الفتن من رواية عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل فيهز رأسه فيقول: يا ليتني مكان هذا! قلت: يا أبا ذر، إن ذلك لمِنْ أَمْرٍ عظيم؟! قال: أجل.