الصفحة 17 من 25

الله إلا أن يذل مَن عصاه».

إن ابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء والامتحان منه تلك الأدواء، ويستعد به لتمام الأجر وعلو المنزلة، ومعلوم أن وجود هذا خير للمؤمن من عدمه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم] .

فهذا الابتلاء والامتحان من تمام نصره وعزه وعافيته، ولهذا كان أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأقرب إليهم فالأقرب، يبتلى المرء على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شُدد عليه البلاء، وإن كان في دينه رقة خُفِّف عنه [1] ، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض، وليس عليه خطيئة.

أن ما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وأذاه في بعض الأحيان، أمرٌ لازمٌ لابد منه، وهو كالحرِّ الشديد والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم، فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضته

(1) المراد بالبلاء هنا هو بلاء الاختبار والامتحان، أما البلاء الذي هو بسبب الذنوب والمعاصي فإنه يزداد بكثرة الذنوب والمعاصي ويقل بقلَّتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت