وكذلك وقعت مسألة في حد من الحدود، فكتب فيها مجلدة كبيرة، ولم يخرج في كل واحدة عن المسألة، ولا طول بتخليط الكلام، والدخول في شيء والخروج من شيء، وأتى في كل واحدة بما لم يكن يجري في الأوهام، والخواطر، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها+ [1] .
وقال ابن عبدالهادي: =وقال الشيخ الحافظ فتح الدين أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري المصري بعد أن ذكر ترجمة شيخنا الحافظ جمال الدين أبي الحجاج المزي، وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن الحليم بن عبدالسلام بن تيمية؛ فألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنِّحل والملل لم يُرَ أوسعَ من نحلته في ذلك، ولا أرفع من درايته، برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تَرَ عَينُ مَنْ رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحر علمه العذب النمير، ويرتعون من ربيع فضله في روضة وغدير+ [2] .
وقال عنه الأستاذ محمد كرد علي ×: =ومع ما حاول أعداؤه أن ينغصوا عيشه دَأَبَ في كل زمان على التأليف، فألف ثلاثمائة مجلد، وكلها في الشرع، وفي حل مسائل عويصة من الدين تَقْرأ فيما وصلنا منها مثالًا من علمه النفيس، وعمله الذي عقمت القرون أن يأتي رجل بما يماثله.
كثرت تآليفه؛ لأنه كان يؤلف من صدره، حفظ الكتاب والسنة، وما دون في شروحهما، وما قاله العلماء في تفسيرهما، وقد ساعدته كثرة محفوظه، وفيض خاطره، وسعة بيانه على تدوين حقائق لم يكتب لعالم مثله في موضوعه، ولو لم يكن له إلا منهاج السنة؛ لكفاه على الأيام فخرًا لا يبلى؛ ففيه مثال من علمه، وقوة حجته، ومعرفته بالملل والنحل.
(1) العقود الدرية ص9_10.
(2) العقود الدرية ص11.