الصفحة 24 من 357

وما كفى هذا إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوَّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، ذهب كل أحد بما عنده، وأخفاه، ولم يظهروا كتبه؛ فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد؛ فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب، والتصانيف.

ولولا أن الله _تعالى_ لطف، وأعان، ومَنَّ، وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه، وتصانيفه _ لما أمكن لأحد أن يجمعها.

ولقد رأيت من خرق العادة في حفظ كتبه، وجمعها، وإصلاح ما فسد منها، ورد ما ذهب منها _ ما لو ذكرته لكان عجبًا يعلم به كل منصف أن لله عنايةً به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين+ [1] .

رابعًا: تعبد ابن تيمية

أما عبادته وأحواله × فكان عجبًا من العجاب، وذلك لما آتاه الله من جلد باهر، ورغبة ومحبة للعبادة، وقد مر شيء من ذلك.

قال تلميذه ابن القيم × [2] : =وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله _تعالى_ إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغدَّ سقطت قوتي، أو كلامًا قريبًا من هذا.

(1) العقود ص72_73.

(2) هو الإمام الفقيه الأصولي المفسر النحوي الحافظ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي أبو عبدالله شمس الدين المعروف بابن القيم، أو ابن قيم الجوزية.

ولد في دمشق سنة 691هـ، وتوفي فيها سنة 651هـ، سمع عن جماعة من العلماء، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية، فكان أبرز تلاميذه، وكان حسن الخلق، محبوبًا للناس، ذا عبادة وورع، ونهم بالعلم، وله مؤلفات كثيرة منها إغاثة اللهفان، ومدارج السالكين، وبدائع الفوائد، وأقسام القرآن، والفوائد، وغيرها. انظر ذيل طبقات الحنابلة 2/447_452، و الأعلام، لخير الدين الزركلي، ط2، بدون تاريخ، ط4، دار العلم للملايين، 1979م ، 6/280.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت