ثم تلاه أصحابه من بعده، وتلقوا ذلك عنه، فاتبعوا طريقه القويم، وساروا على نهجه المستقيم، فجاءت كلماتهم كافية شافية، مختصرة نافعة؛ لقرب العهد، ومباشرة التلقي من مشكاة النبوة، التي هي مظهر كل نور، ومنبع كل خير، وأساس كل هدى؛ فكانوا بذلك أعظم الناس فهمًا وفقهًا لهذا الباب، وأكثرهم إيمانًا به وعملًا بمقتضاه، فأثَّر ذلك فيهم أيما تأثير، فكانوا _ رضوان الله عليهم _ أتقى الناس، وأكرم الناس، وأشجع الناس بعد الأنبياء _عليهم السلام_.
ثم سلك أثرهم التابعون لهم بإحسان، فاقتفوا طريقهم، واهتدوا بهداهم، ودعوا إلى ما دعوا إليه، ومضوا إلى ما كانوا عليه [1] .
ثم بعد ذلك دبَّ في هذه الأمة داء الأمم، فركبت سنن من كان قبلها، فدخلت الفلسفات اليونانيةُ، والهنديةُ، والفارسيةُ، وغيرُها بلادَ المسلمين، وظهرت بدعة القدرية في البصرة ودمشق، فوقع أول شرك في هذه الأمة، وهو نفي القدر، وكان ذلك في عهد أواخر الصحابة _ رضي الله عنهم _ الذين أنكروا تلك البدعة، وأعلنوا البراءة منها ومن أهلها.
ثم جاء من بعدهم علماء السلف، فتصدوا لتلك البدعة، وبينوا زيفها، وهتكوا سجفها، ودحضوا باطلها، وأظهروا الحق ونشروه، ودعوا الأمة إليه.
ومن أولئك العلماء الأجلاء شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم ابن عبدالسلام بن تيمية الحراني × فله في هذا الباب وغيرِه يدٌ طولى، وقِدْحٌ مُعلّىً؛ حيث تعرض لباب القدر، وبيَّنه، وانتصر لمذهب السلف فيه، وأجاب عن أدق مسائله، وتفاصيله، وكشف عن وجه الصواب فيما أثير حوله من شبهات، وصاول الفرق الضالة والمذاهب المنحرفة، وقارعهم بالحجة والبيان.
(1) انظر شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، لابن قيم الجوزية، تحرير الحساني حسن عبدالله، مكتبة دار التراث، القاهرة، ص4.