ولو لم يكن هناك إلا مسألة الحياة والموت، وتفاوت الناس في الأعمال والمواهب، والغنى والفقر، والصحة والمرض، والهداية والإضلال _ لكان ذلك كافيًا في أن يفكر الإنسان في القدر.
5_ كونه أعوصَ أبواب العقيدة: فمع أن باب القدر معلوم بالفطرة _كما مر_ وأن نصوص الشرع قد بينته غاية البيان إلا أنه يظل أعوص أبواب العقيدة؛ فدقة تفاصيله، وتشعب مسائله، وكثرة الخوض فيه، وتنوع الشبهات المثارة حوله _ كل ذلك يوجب صعوبة فهمه، وتعسر استيعابه.
فلا غرو أن يحار الناس في شأنه في القديم والحديث؛ فلقد سلك العقلاء في هذا الباب كل واد، وأخذوا في كل طريق، وتولجوا كل مضيق، وقصدوا إلى الوصول إلى معرفته، والوقوف على حقيقته؛ فلم يرجعوا بفائدة، ولم يعودوا بعائدة، لأنهم التمسوا الهدى من غير مظانِّه، فتعبوا وأتعبوا، وحاروا وتحيروا، وضلوا وأضلوا.
6_ ما يترتب على الإيمان به على الوجه الصحيح: فذلك يثمر السعادة في الدنيا والآخرة، ويورث اليقين، ويكسب الأخلاق الفاضلة، والهمم العالية، والإرادات القوية.
7_ ما يترتب على الجهل به: فالجهل به، أو فهمه على غير الوجه الصحيح يورث الشقاء، والعذاب في الدنيا والآخرة.
والواقع يشهد بذلك في أمم الكفر؛ إذ يشيع فيها قلة التحمل، والانتحار، والقلق.
8_ أن هذه القصيدة اشتملت على مباحث دقيقة في باب القدر.
9_ أنها صدرت من عالم رباني، فهي تُبِينُ عن قوة علمه، ودقة فهمه، وعظيم منزلته، كيف وقد كتبها على البديهة مرتجلًا؟
هذه بعض الأمور التي تبين أهمية موضوع البحث.
أسباب البحث في هذا الموضوع:
مما دفعني إلى البحث في هذا الشأن أمور منها:
1_ أن موضوع هذه القصيدة _وهو القدر_ كان يشغل بالي منذ مدة طويلة؛ فكنت أكثر البحث فيه، والقراءة حوله، والكتابة في شأنه.