الصفحة 17 من 157

أما الدلالة الأولى: فدلالة الخبر ، ومن ذلك قول الله تعالى: { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ، بالبينات والزبر } فسَّر ابن عباس - رضي الله عنه -: ( البينات والزبر ) بقوله: ( هن الحجج والدلائل ) ، فيكون المعنى: إذا كنت أيها المؤمن لا تعرف الأدلة والحجج والبراهين على مسألة من مسائل الدين ـ ويدخل في ذلك أصول الدين وفروع الدين ويدخل في ذلك ما هو مقطوع به بالحجج القطعية وما هو مقطوع به بالحجج الظنية على ما يذكره المشتغلون بالعلوم ـ فإذا كنت غير عارف بذلك ، فاسأل أهل العلم الموثوق بدينهم وعلمهم ، ولم يجعل الله - سبحانه وتعالى - معرفة المسألة بدليلها واجبة ، وإنما اكتفى بالأمر بالسؤال فقط ، وهذا من أصرح الأدلة وأوضحها على المقصود ، ومن الأدلة أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فقد عصم ماله ودمه إلا بحقها ) )، وهذا الحديث الثابت فيه دلالة على أن الإنسان لو قال: لا إله إلا الله محمدًا رسول الله ، ولو لم يُقِم الأدلة والبراهين التفصيلة على ذلك ، فإن إسلامه وإيمانه صحيح .

وأما الدلالة الثانية: فالإجماع العملي ، من لَدُن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فالقرون الفاضلة حيث إن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم عوام ، ومنهم فقهاء ، ولم يكن العلماء ليلزموا عامة الناس أعرابيُّهم وحاضرهم وعالمهم وغيره ، بأن يُقيم الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة على كل مسألة ، فلم يكن يقال للأعرابي الذي أتى من فلاة بعيدة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم -: لا يصح إسلامك حتى تعرف الأدلة والبراهين من الكتاب والسنة على كل مسألة من مسائل العقيدة ، وكل مسألة من أصول الدين ، هذا لم يفعله أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الناس ، ولو فعلوه لنُقِل ، ولم ينقل ، وهذا إجماع عملي يؤخذ به ويعتد به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت